وعـــثاء


وعـــثاء

وعـــثاء

 

أهلا بك صديقي العزيز في بلدتي النائمة، بعد إصرارك على التسوق رفقة أهل القرية لن أكبح رغبتك أو أثبط من عزيمتك، ولكنني أنصحك من باب الزمالة بما لا تدركه عن التسوق في حضرة هذه البلدة الهادئة...
... عندما تستعد للركوب في عربة "السي الطاهر"  أينما لمحت ثغرة تسعك فلا تردد في الإسراع للوقوف فيها حتى لا يسبقك إليها غيرك فتعظ على أصابع الندم أو ربما ضاع منك السفر و شكايتك لا أساس لها في حضرة هذه المنطقة النائية... كيفما كان متاعك إذا كان باستطاعتك دحرجته إلى ظهر العربة فمرحبا بك:
مرحبا بك وبحمارك أو بقرتك أو ما شئت بيعه في السوق، مرحبا بك و بزوجتك و أولادك في هذا الإزدحام ... لا داعيَ أن تحرص على ألا يجاور أحد زوجتك كما تفعل في الحاضرة، فأهل القرية ظرفاء جدا و الصاعدة إلى العربة بمثابة أم لا غير، إحرص فقط على ألا تدندن الشمس الحارقة في رأس ابنك الصغير أو يتسرب الغبار المتطاير إلى جوفه فتذهب به عند النزول إلى المستشفى عوض التسوق، و لا تنسى أن تحرص على قدميك أيضا حتى لا تعلق بين الصناديق و الأغراض الثقيلة، أو ربما تسقط عليك قنينة غاز فتكون سببا في استعانتك بعكاز عند النزول...
أوصيك أيضا - و أنت المجرب الجديد- كلما انتهى "السي الطاهر" إلى الطريق المعبدة أن تتمسك جيدا حتى لا تفقدك أسرتك في منعطف من المنعطفات، فقد لا يحالفك الحظ في إيجاد شيء تتمسك به، ولكن عند الضرورة امسك بما تصادفه يدك حتى و إن كان تلابيب شيخ كبير فربما ينقذك من مأساة ستتداولها الألسن عنوانها "  ذهبوا بثلاثة و عادوا باثنين"...
لا تستغرب للذين هم في قمة العربة يلامسون الهواء، يعلو وجوههم رداء بني بلون تراب الطريق، أكاد أجزم أن ضربا من السخرية يجلجل في ذهنيتك المتمدنة، و لست ألومك على شيء من ذلك، فأولئك الناس قد سخر منهم القدر قبل أن تسخر أنت منهم، و نظم فيهم الزمان شتى قصائد البؤس و الشقاء قبل أن تضرب أنت فيهم المثل حين تراهم مستلقون على خيش الخروب في قمة العربة فتقول: هم أقرب إلى القطط الملتصقة بالحصير منهم إلى البشر، بل هم ،يا سيدي، قوم أعزهم الله بشيء إسمه الصبر و القناعة: صبر على أعباء الحياة و تجاهل الدولة، وقناعة بنوبات القضاء و القدر... و قد آن لك الأوان أن تمتحن صعوبة التسوق و مشقة الطريق و وعورة المسالك، و ما كل ذلك إلا نقطة تعاسة ضمن بحر لجي كُتب أن يُلاطمه أولئك الناس إلى يوم الدين، أما أنت الذي كدت تجن فسترتك بالكاد مبللة بالماء في تجربة خضتها لسويعات من الزمان...
من حقك أن تشتاق لكرسي سيارتك المريح، بل انظم فيه الوحشة و الإشتياق على شاكلة نظم قيسٍ و قل: قفا نبك من ذكرى كرسي وثير ، أما هنا فالناس يشتركون عربة "السي الطاهر" للتسوق كما يشتركون المسجد للصلاة، و يسبحون لله صباح مساء على أن سخر لهم ما يركبون و ما لم يكونوا له مقرنين، وربما بفضل حمدهم ذاك تسير مركبة السي الطاهر؛ الوحيدة من طرازها التي لا يزال هدير محركها يرتج على وجه البسيطة، عربة تشبه راكبيها في كل شيء، حتى لكأن البساطة تكاد تنطق من تحت عجلاتها المتهالكة لتعلن أن الجمال جمال الروح لا الجسد... و لسلامة جسدك، صديقي العزيز، لا تبخل على نفسك بأكياس بلاستيكية تستعملها عند اللزوم، و بما تراه ضروريا من الأكل و الشرب و حتى بضعة أقراص أسبيرين تكفيك شر الحمى و الدوار تحت وهج شمس الجنوب...
أخشى عليك و أسرتك الصغيرة من مطبات الطريق و وعثاء السفر، فقد يصيبكم الإنهاك و التعب و يتغلغل الصداع و الدوار في رؤوسكم،  و تضيع عليكم متعة التسوق، حينئذ مؤسف أن تكون وجهتك المستوصف لا السوق... هذا إن حالفك الحظ و ألفيت المستوصف مفتوحا، فقد تجد الإنتظار على الأرض في طابور طويل أمر هين في سبيل علاج محتمل...
 أتصور أنك تدخل على الممرض العجوز الذي تقادم به الزمان في المشفى، يضع يده على صدرك ... يأمرك الكح ثلاثا... يضيع صوت كحتك في كحاته المتتالية نتيجة مرضه التنفسي ( هو تماما كما يروج في مخيلتك : ممرض مريض) ... يضع يده في جيبه و يخرج ورقة بيضاء ... ينهمك في كتابة أشياء على تلك الورقة قبل أن يعطيك إياها لإقتناء الدواء في الصيدلية ... تأخذ الورقة ... تندهش ..ماذا؟ .. أول طبيب يكتب الوصفة بخط عربي مبين ... قبل ذاك لم تستطع أن تتبين حرفا من كتابات الأطباء في حياتك، ها انت أمام "طبيب" ممرض يكتب وصفة دواء باللغة العربية... تنظر إلى ما كتب على الورقة: " قرص دوليبران في كوب من الماء..." يا لخيبتك... ثلاث ساعات من الإنتظار من أجل قرص أسبيرين!!...  لا تقل للممرض أنك شربت و أسرتك نصف العلبة في الطريق...تخرج من المشفى ناقما غاضبا... أنت لا تعلم أن شعار المستوصف " أقراص لكل الأمراض".. مجروحا كنت أو مريضا بالزكام أو القلب أو حتى السرطان، فلن تنال غير أقراص استحال بياضها إلى اصفرار...
أتمنى ألا يصدق أي من تخيلاتي لأراك عند عودتك نشيطا كأهل القرية فرحا بمتعة التسوق، و حتى و إن لم يطب لك السفر و لقيت منه نصبا، عدّها تجربة حياة فربما زادتك شيئا عن خبرتك للحياة... و ربما أرتك وجها من وجوه الضنك كما يعيشه الناس هناك، دامت لك متعة التسوق...
ادريس ورزكن