ما ينقصنا ليس الثقافة إنما الوازع الأخلاقي


ريف سيتي : بقلم رامية نجيمة
لست من المعجبات بالداعية السعودي محمد العريفي، ولا حتى ممن يتابعونه، وعلى الأرجح أني إذا صادفت ظهوره في قناة معينة، أغيّرها فوراً. ذلك لأني أومن أني راكمت بمرور الزمن ثقافة دينية تمكنني من فهم ديني جيدا وتغنيني عن الاستعانة بواسطة كالعريفي ومن هم على شاكلته. ورغم ذلك فإني لم أصدّق قطّ ما راج حوله مؤخرا، من شائعات.. تزكية جهاد النكاح، ودعوة الشباب إلى الجهاد في سوريا، وتشبيهه المرأة بالبهيمة.. والكثير من التفاهات التي راجت عنه طوال الأعوام الأربعة الأخيرة.. كنت واثقة أن الرجل (العريفي) ليس جاهلا ولا غبيا حتى يروّج لأفكار كتلك التي انتشرت عنه ناهيك عن أن يفكّر فيها أصلا (وأحب أن أضيف هنا عبارة "الله أعلم")، وقد بنيت ثقتي هذه على أساس وحيد، وهو عبارة عن كتاب كنت قد قرأته له منذ سنين، بعد أن أهدته لي صديقة أحترمها، وألحّت علي كي أقرأه. وقد كان الكتاب عبارة عن حكايا إنسانية واقعية صيغت بأسلوب لطيف ومحبّب. وإذا كان يمكن التعرّف على إنسان ما من خلال كلامه (على غرار: تكلّم حتى أراك) فإنه يمكن ــ قطعا ــ الحكم على صفات أي كان من خلال ما يكتبه. والعريفي كما يتبين من خلال كتابه، إنسان ناصح وذكيّ.


كل ما أصادفه منشورا هنا على الفيسبوك، من صور، أو مقاطع فيديو، أو تدوينات، أو مقالات.. إلخ. لا يمكن أن أثق في مضمونه أو أصدقه إلا بعد أن أخضعه لمعيار عقلي.. عقلي حبيبي الذي أثق به. ولا يهم إن كان المنشور يمسّ سمعة أعداء أو أحبّة.. فأنا أدرك جيدا أننا في عصر، تعرف فيها الأيديولوجيات المتنافرة صراعا على أشُدّه، لذلك فإن أصحابها (الإيديولوجيات) هم على استعداد دائم للقيام بكل ما من شأنه تدنيس سمعة الآخر وضربه إعلاميا بهدف التقليل من أتباعه، فكَسر شوكته؛ ولا يهم إن استُخدِم من أجل ذلك ترويج الاكاذيب، وقبركة الصور، ومَنتجة (من المونتاج) مقاطع الفيديو، كأن يقول الواحد مثلا (في مقطع فيديو) "أنا أشجع الشباب على الزواج، لكني ضد جهاد النكاح" فتقتطع من قوله العبارة التالية: "الزواج، لكني ضد" فيبدو كما لو أنه يقول: "أنا أشجع الشباب على جهاد النكاح"!
مشكِلتُنا التي ساهم انتِشار وسائل الإعلام الفضائحية، وظهور مواقع التواصل الاجتماعي في ترسخّها أكثر؛ (ذلك لأنها كانت قائمة دائما وأبدا) هي مُشكِلة تصديقنا لكل ما ينشر على الورق أو الشاشات، بلا تمحيص ولا تدقيق. وكأن أولئك الذين يظهرون في وسائل الإعلام، وأمثالهم، ممن يحسنون فن الكتابة ومنتجة مقاطع الفيديو وتصميم الصور.. قدّيسون منزّهون، وملائكة مطهّرون!
أقول دائما وأكرر، إنّ ما ينقصنا، ليس الثقافة ولا العلم، إنما الضمير والوازع الأخلاقي.. إنه نفس الضمير الذي يسمح لك بنشر أشياء، والترويج لها دون أن التأكد من صحتها. وهو نفس الوازع الأخلاقي الذي لا يمنعك من تصديق ونشر كل ما تقع عليه عينك، لمجرد أن الأمر يسيئ إلى غريمك، ذلك الذي تختلف معه فكريا و/أو عقديا.