مات رجل – الحلقة الثانية


مات رجل – الحلقة الثانية
مات رجل – الحلقة الثانية
-
-محمد الغازي

تلقيت وابلا من الاتصالات من الزميلات والزملاء من مختلف المدن ومن خارج المغرب إثر نشر مقالي تحت عنوان " مات رجل" يستفسرونني عن الشخص المعني بهذا المقال ، كما التقيت زميلاتي وزملائي بأكادير الذين تساءلوا بدورهم عن هوية الشخص التي لم أفصح عليها لحد الآن رغم أن بعضهم فطن للأمر وساءلني تنكريا : هل يتعلق الأمر بفلان؟ ، تحاشيت الإجابة وأتقنت لعبة الهروب من الرد، مجيبا على السؤال بالسؤال ، وكيف عرفت أن الأمر يتعلق بفلان؟ ...
التغريدة التي كتبتها لك تكن رد فعل لكوني لم أكتبها في لحظة غضب أو انفعال، بل بعد أيام من سلسلة وقائع ، ومما جاء فيها" قبل أيام مات شخص كنت أكن له الكثير من الاحترام والتقدير قبل أن يتبين أنني كنت مخطئا وأنه لم يكن يستحقه، مات( الرجل) بالنسبة لي غير مأسوف عليه ، وأنا لاأتحدث عن الموت البيولوجي فهذا أهون ، بل الموت الرمزي .
كم هو صعب أن ترى اهتزاز صورة شخص اعتبرته نموذجا يمكن أن يعول عليه العباد (لإنقاذهم) وكان يشكل للبعض بصيص الأمل الوحيد لجمع الشمل وتغيير الأوضاع ، دافعت عليه بكل ماأوتيت من قوة قبل أن بنهار في لحظة بعدما سقط القناع عن القناع كما قال الشاعر الكبير محمود درويش في إحدى أغانيه المشهورة.
وصلت إلى قناعة أنه لايمكن لمن ترعرع في أحضان المخزن وألف معاملة الناس بازدراء وقلة احترام وإهانة إلا أن يكون مخزنيا مهما حاول تسويق صورة مغايرة عن حقيقته التي سرعان ما تنكشف لتكشف العورة تزيل الغشاوة عن أعين من كانوا مغفلين وهم يظنون أن شخصا يشكل استثناء ويستحق أن يروا فيهالمهدي المنتظر” .
والجميل في الأمر أنه سرعان مايكشف لك الزمان حقيقة الأمور والأشخاص ، فكم هو جميل هذا الزمان رغم قساوته.
أعتذر من كل الأشخاص الذين توثرت علاقتي بهم بسبب دفاعي المستميت عن هذا الشخص ومن كل الأصدقاء والصديقات الذين رفعت صوتي في وجوههم لمواجهة تشكيكهم قي النوايا الحقيقية للشخص ومنهم أصدقاء مناضلون التقيتهم على هامش المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش ودخلت معهم في نقاش حاد للغاية حول هذا الشخص.
فألف معذرة لأنكم كنتم أذكى مني واستطعتم الوصول إلى حقيقة ( الرجل) قبلي . فوجدت نفسي في حالة شروذ، لكن مايشفع لي أنني لم أحتك بالرجل مايكفي كي يظهر على حقيقته، وهو ماكان متاحا لهم قبلي.
أنهي هذه التغريدة السريعة بمقولة شهيرة ل Abraham Lincoln أجدها خير معبر عن هذه الحالة،تقول  :
“On peut tromper tout le monde peu du temps. On peut tromper peu du monde tout le temps. Mais on ne peut pas tromper tout le monde tout le temps.”
كما كان لي نقاش مع أحد الفاعلين الأمازيغيين اليوم على طاولة الغذاء ارتأى أنه كان علي أن أحافظ على شعرة معاوية مع هذا الشخص أيا كان رغم أنني لم أعترف له بهوية الرجل ، لكنه تعرف عليه ولم أؤكد له الأمر، لكن تقدم النقاش معه أجبرني على الاعتراف ، مما جعله يكشف لي عن معطيات أخرى عن هذا الرجل تؤكد ما وصلت اليه ، لكنه بقي مختلفا معي حول طريقة التعامل مع هذه المواقف وفسرت له أنني جدري للغاية في علاقاتي الانسانية عموما وأنني لاأتقن فن النفاق والانتهازية كما يتقنه العديدون الذين يواصلون تملقهم و " لحيس الكابا " لمثل هؤلاء الأشخاص معتقدين أنهم قد يستفيدون منهم بشكل أو بأخر ، مؤكدا له أن هذه كانت دوما طريقتي ولايمكنني تغييرها ولو تعلق الأمر بأفراد أسرتي ، عقب علي قائلا بأنني لاأريد أن أغيرها وليس لاأستطيع تغييرها. وبعد جدال طويل أخبرته بأنني أبقى منسجما مع ذاتي ولاأريد أي تغيير في هذا الجانب رغم أنني أعلم جيدا أنني أخسر الكثيرين بهذا الأسلوب، لكن المهم أنني أربح نفسي وأجد نفسي كبيرا في عيناي، ولايهمني مايظنه بي الغير لأنني أؤمن بأن " الآخر هو الجحيم" كما يقول سارتر.
لايمكنني أن أشكك في المكانة العلمية للشخص ولا في تميزه الفكري والأدبي ، ولا يمكنني أيضا أن أدخل معه في جدال فكري ، فله تراكم أدبي وفكري لايستهان به ، لكن الأخلاق تبقى هي الأساس ، ولايهمني أن تكون مفكرا أو حتى منظرا كونيا إذا لم تكن لك مبادىء صادقة تدافع عنها بصدق وتعتبرها مبرر وجودك في هذه الحياة وتسعى من خلالها لتترك بصمة من مرورك فوق الكرة الأرضية لأن أيا كان مهما بلغت مكانته الفكرية لايعدو أن يكون مستعملا للغة وليس خالقا أو مبدعا لها ، ومنتوجه الفكري مهما سما يبقى نسبيا وإعادة لانتاج ما اطلع عليه ودرسه وراكمه من معرفة وفهم لما قرأه عن الآخرين .
لاأدعي أنني في مستوى تقديم الدروس لهذا الرجل، لكنني أعتقد أنني راكمت معه مايكفي لتكوين صورة واضحة عن حقيقته الزائفة ، فهو الذي يتحدث عن مشروع كبير خيطه الناظم هو الحداثة والقيم الانسانية وغيرها من الكلمات الكبرى التي يلوكها لسانه في كل مناسبة ، في الوقت الذي تكشف سلوكاته وتصرفاته عكس مايدعي. فالرجل وعد ولم يف غير مامرة ، تراجع عن المشاركة في لقاءات أكد للمنظمين قبل شهور مشاركته فيها بعدما وفروا له كل ما طلبه ومالم يطلبه من شروط الراحة رغم امكانياتهم المحدودة ( تذاكر الطائرة والاقامة في الفنادق الفخمة ...) دون أن يكلف نفسه حتى عناء الاعتذار منهم ، وأعتقد أن هذا لايمث بصلة للحداثة ولا للالتزام بقضية ومشروع تغيير يحمله الرجل في خطابه أينما حل وارتحل ، كما أنه يعشق السياحة ، ولايفوت فرصة مشاركته في الملتقيات الفكرية التي تتم دعوته اليها لزيارة كل المناطق التي لم تتح له فرصة زيارتها قبل ، وذلك يكون من طبيعة الحال على حساب المنظمين الذين يضطرون للاستجابة للرغبات المتذبذبة للرجل خوفا من غضبه ، فتارة يطالب منهم توفير سيارة للذهاب شمالا وبعد دقائق يغير رأيه ليطلب التوجه جنوبا  في مزاجية مبالغ فيها الى حد كبير ، أما المشاركة في فقرات الملتقى أو التظاهرة فهي آخر ما يفكر فيه الرجل الذي لايقدر ظروف المنظمين الذين يكونون غالبا فعاليات من المجتمع المدني بامكانيات محدودة يفرض عليهم في عملية أقرب الى الشونتاج توفير تذاكر الطائرة والاقامة لأصدقاء له يرافقهم أينما حل وارتحل دون أن يكون مبرر لوجودهم غير السياحة .
وحدث مؤخرا أن تمت دعوة الرجل للمشاركة في ملتقى فكري ، وصل الى المطار واستشاط الرجل غضبا عندما تأخر عنه المنظمون عشر دقائق لنقله من المطار الى فندق الاقامة ، حيث هدد بالانسحاب من اللقاء والعودة من حيث أتى ، لالشيء الا لأنه لازال يعيش وهم رجل المخزن الذي كان يقام له ويقعد ويتم استقباله بالمواكب الرسمية ويجد دوما أشخاصا يخدمونه وينتظرونه لساعات طوال ، ونسي أن يحين المعطيات في ذهنه ويتقبل أن ذلك الزمن ولى وعليه تقبل الوضع الجديد وفهم أن تحركاته أصبحت في اطار المجتمع المدني .
بعد خروجه القسري من سفينة المخزن ، غير الرجل من خطابه مئة وثمانين درجة في محاولة للتموقع من جديد ، ورغم أن الأمور كانت واضحة وضوح " الشمس فنهار جميل"  ، فقد وجد الرجل رجالا احتضنوه وتعاطفوا معه معتقدين أنه قام بمراجعة ونقذ ذاتي ، عقدوا له لقاءات وأخرجوه من الحالة النفسية الصعبة التي عاشها بعد صدمة الخروج، كتبوا عنه في كل المنابر ونقلوا تدخلاته بالصوت والصورة والكتابة ليواجههم بالنكران في لحظة غضب كشفت المستور وأماطت اللثام عن الحقيقة المرة .
اتضح  أن الرجل لم يستسغ أن يلفظه المخزن بتلك الطريقة المهينة وقرر محاولة العودة من بوابة أخرى، لم يستطع للأسف إتقان اللعبة فانهارت صورته الكارزمية لدى فئات عريضة ممن وفقوا الى جانبه وواجهوا كل المشككين في نواياه.
وللحديث بقية ...