لماذا أكتب؟...

ليس لأني لا أجد ما أكتبه ،بل لأن ثمة سؤالا عاتيا أصطدم به


لماذا أكتب؟...





                              لماذا أكتب؟...

 

 

بقلم: سيزيف ابن الريف.

 

أن أكتب؟ ولماذا أكتب؟ هناك حتما أسباب كثيرة، لعل أهمها ،أن هناك من سيقرأ.

طالما أن هناك من سيقرأ ،قررت أن أمتشق قلمي،وأطلق كلماتي من أسرها القديم .

فلسنوات طويلة ،لم أكتب حرفا ،أو لم أكتب إلا لماما.

ليس لأني لا أجد ما أكتبه ،بل لأن ثمة سؤالا عاتيا أصطدم به، كلما جلست للكتابة.وهو لماذا علي أن أكتب ؟ فكانت النتيجة أن بقيت أفكاري في مكانها تختمر، وظلت العفاريت في قماقمها تنتظر.

أتهيب الكتابة أكثر من أي شيء آخر.إنها بالنسبة إلي تقترب من درجة التقديس في طقوس العبادة. فالكتابة، هي استعمال للقلم أولا.والقلم ليس أداة عادية كما قد يتوهم الناس. لا بل هو أقدس أداة في الوجود.لأنه إن كان العلم والفن والدين قوام الوجود المعنوي للإنسان .فالقلم هو الذي ينقل الدين والفن والعلم من جيل إلى جيل ومن مجتمع إلى آخر،ومن حضارة إلى أخرى .

لذلك أشعر أمام القلم بكل القداسة التي تحيط به.فهل كان ممكنا أن تستمر الحياة يوما واحدا، لولم يكن هناك قلم .إلا أن يكون الإنسان لازال يعيش عصر الغاب.

هناك إذن شيئان منعاني من الكتابة لسنوات طوال. أولهما :لماذا أكتب؟ ولا أكاد أجد له جوابا شافيا حتى أستغرق في التفكير  في نعم القلم،لدرجة أتهيب فيها من استعماله وأؤجل الكتابة إلى حين استكمال أفضاله.

قبل الكتابة بشكل جاد،لابد من التوقف عند أسرار القلم أولا.فكيف أبدأ الكتابة وأنا لا زلت  أتهجى أبجدية القلم؟

بمعنى آخر،فإنه قبل الكتابة في أي موضوع لابد من الحديث في موضوع القلم أولا.هكذا ظننت أنني حللت الإشكال العسير بين سؤال: لماذا أكتب؟ والإجلال الكبير الذي أصبحت أكنه للقلم.

سأكتب ؟ نعم، ولكن عن القلم. وربما قبل أي شيء آخر.

 

بقدر ما تعتريني الرغبة في الكتابة بقدر ما تعترضني الكثير من الأسئلة.وتقف في طريق قلمي إلى أين أنت سائر؟

لماذا تكتب؟وكلما أوجدت جوابا شافيا للسؤال فينسحب مقتنعا ويفسح المجال لقلمي أن يمر . يظهر في طريقه سؤال آخر، مؤرق أكثر من الأول. كما لو أن الأسئلة تأبى إلا أن يتوقف القلم. ولكن من يستطيع أن يوقف القلم حتى لو تعلق الأمر بسلسلة من الأسئلة.؟

السؤال الآن ماذا تكتب؟ لدي مواضيع كثيرة بعضها  قصيرلا يتعدى الأسطر أو جملة من العبارات وبعضها الآخر يتطلب الكثير من الصفحات. الجواب: سأكتب أولا عن الكتابة .أعود قليلا إلى الجواب الأول الذي تحدثنا فيه عن فضل القلم على سائر الأدوات. الآن سنتحدث عن العلاقة التي تجمع القلم بالكلمة. فبدون الكلمة ماكان القلم ليكون بكل تلك الرفعة.فمن صلب القلم تخرج الكلمة.

 إن أول ما نقرأ في محكم التنزيل (إقرأ).وهل يقرأ الإنسان شيئا آخر غير الكلمة ؟ الكلمة هي المقروء. وما كانت القراءة لتوجد لولا وجود الكلمة.وأول ما ابتدأ به الإنجيل (في البدء كانت الكلمة.) الكلمة إذن هي مفتاح السر في الجواب عن سؤال ماذا أكتب؟ إن ذلك التعبير القائل عن الإبداع الكتابي أنه من بنات الأفكار،لم يجانب الصواب.فالأفكار تتكون ،كما هي القاعدة في جميع اللغات من مجموعة من الكلمات. وبتواجد الكلمات تتكون الأفكار .وبتغيير الكلمات لمواقعها في العبارات تتغير الأفكار. والسر كل السر مرة أخرى في الكلمة. فالكلمة هي التي تحمل المعنى .

حينما أصل إلى هذه النقطة عن الكلمة .وكيف أنها من أهم ما ميز به الله الإنسان عن جميع المخلوقات. كيف لا؟ وهي أي الكلمة رغم صغرها، وضآلة شكلها، هي التي أوجد بها الله هذا الوجود الواسع الكبير.جميع المخلوقات من جماد وكائنات وكواكب وأفلاك ومجرات خلقها الله بكلمة( كن فيكون) لاغير.

هكذا فالكلمة ليست شيئا سهلا أو عاديا .فبها خلق الله الوجود .وحينما تعامل الله مع الإنسان أنزل عليه كتابا سماويا بمعنى مجموعة كلمات.والإنسان يتواصل مع الله عن طريق الصلاة وفي الصلاة تعتبر الكلمة إحدى أهم اللبنات.

إن أول ما خلق الله الكلمة وبها خلق جميع الأشياء الأخرى.فسبحان الله الذي خلق من أصغر الأشياء أكبر الموجودات.

حينما أجلس متهيئا للكتابة ،تنتابني الأسئلة المانعة، وحين أبدأ في العثور على الأجوبة الشافية أجد نفسي متهيبا أمام عظمة الكلمة لدرجة أنني أحيانا أتوقف عن الكتابة أي عن كتابة الكلمة.