فِي رِحَابِ سَيِّدَةِ اَللُّغَاتِ( 1)


*ريف سيتي : بقلم ا. د عبد الله جاد الكريم

(1) اَللُّغَةُ: اَلْمَفْهُوْمُ وَالوَظِيْفَةُ.
     اَللُّغَةُ هِيَ جُزْءُ أَصِيلٌ من هَويَةِ اَلأُمَّةِ، وَهِيَ أَدَاةُ التَّوَاصُل ِوالتَّفَاهُمِ والتَّعليمِ، وَتُؤَدِّي في حَيَاةِ الإِنْسَانِ دَوْرًا مُهِمًّا ومُحوريًّا في مَاضِيهِ وحَاضِرِهِ ومُسْتقْبَلِهِ، وتَأتي اللُّغَةُ العربيَّةُ في صَدَارَةِ اللُّغَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ التي أدَّت دَوْرًا بَالِغَ الأَهميَّةِ في التَّاريخِ الإِنْسَانِي قَاطِبَةً ولا تَزَالُ كذلك؛ لِذَا آَثَرْتُ أَنْ أُقَدِّمَ بَعْضَ الزُّهْورِ مِنْ بُسْتَانِ العَرَبيَّةِ وَرِيَاضِهَا البَاسِقَةِ اليَانِعَةِ، مُعَرِّجًا عَلَى تَعْرِيفِ اللُّغَةِ وأَهميَّتِهَا ومَكَانَتِهَا وَدَوْرِهَا، وبَعْضِ خَصَائِصِهَا، وآَرَاءِ العُلَمَاءِ فِيْهَا، وغيرِ ذَلِكَ مِنْ اَلْمَسَائِلِ والنِّكَاتِ؛ مِـمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَسْـمَى اَللُّغَاتِ.
·         اَلتَّعْرِيْفُ بِاللُّغَةِ:
   لقد تعدَّدت تعريفات اللغة لدى الكثيرين من علماء اللغة شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، وأذكر هنا طرفًا يسيرًا من أهم التعريفات، يُعرِّفها ابن جني بقوله:”أمَّا حدُّها فإنَّها أصواتٌ يُعبِّـر بها كلُّ قـومٍ عن أغراضهم. ويرى كثيرٌ من العلماءِ أنَّ اللغة: ظاهرةٌ اجتماعيَّةٌ تُستخدمُ لِتحقيقَ التَّفاهُـمِ بينَ النَّاسِ.
      واللُغَةُ كما يقولُ  أوتو يسبرسن: نشاطٌ إنسانيٌّ، يتمثل من جانب في مجهود عضلي يقوم به فرد من الأفراد، ومن جانب آخر عملية إدراكية ينفعل بها فرد أو أفراد آخرون.
     واللغةُ نشاطٌ مُكتسبٌ تتمُّ بواسطتهِ تبادلُ الأفكارِ والعَوَاطِفِ بين شخصين أو بين أفراد جماعة معينة , وهذا النَّشاطُ عبارةٌ عن أصواتٍ تُستخدمُ وتُستعملُ وِفْقَ نُظُمٍ مُعيَّنَةٍ. وهي:”نشاط إنساني يتمثل من جانب في مجهود عضلي يؤديه فرد من الأفراد، ومن جانب آخر في عملية إدراك ينفعل بها فرد أو أفراد آخرون.
     وعند هردر:”إنَّ اللغة القومية بمنزلة الوعاء الذي تتشكل به وتُحفظ فيه، وتُنقل بواسطته أفكار الشعوب، إنَّ اللغة تخلق العقل أو على الأقل تُؤثر في التفكير تأثيرًا عميقًا وتسدّده وتوجِّهه توجيهًا خاصًّا، ولغة الشعب تتمثل في كُلِّ رُوْحِ الشَّعْبِ نَفْسِهِ، إنَّ لغة الآباء والأجداد بمثابة مُستودَعٍ لكُلِّ ما للشعب من ذخائرِ الفِكْرِ، والتَّقاليدِ، والتَّاريخِ، والفَلْسَفَةِ، والدِّينِ، إنَّ قلبَ الشُّعوبِ ينبضُ فـي لُغتـه، إنَّ رُوْحَ الشَّعْبِ تكمُنُ في لُغَـِة الآَبَاءِ والأَجْـَدادِ.
   واللغة نعمةٌ من الله U للإنسان مثله مثل كُلِّ الحيوانات التي تمتلك نظامًا من الرُّموز والإشارات؛ للتَّفاهم فيما بينها. فيقال: لغة الحيوان، ولغة الطَّير، ولغة النبات، قال تعالى على لسان سليمان u:)وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ(..ولكن لغة الإنسان تتميز بأنَّها ذات نظام مفتوح، بينما الحيوانات  الأخرى نظامها التَّعارفي نظام مغلق.
  فِي رِحَابِ سَيِّدَةِ اَللُّغَاتِ..
 (2) وَظَائِفُ اَللُّغَـــةِ:
   يتَّفـق  أغلبيَّةُ عُلماءِ اللُّغةِ اَلْمُحدثين على أنَّ وظيفة اللغة هـي التعبير أو التَّواصل أو التَّفاهم، رغم أنَّ بعضهم يرفضون تقييد وظيفة اللغة بالتَّعبير أو التَّواصل؛ فالتَّواصل أحد وظائفها إلا أنَّـه ليس الوظيفة الرئيسة.
   وقد حاولهاليدايتقديم حصر بأهم وظائف اللغة، فتمخَّضت محاولاته عن الوظائف الآتية:
(1) الوظيفة النَّفعية (الوسيلية):وهذه الوظيفة هي التي يُطلق عليهاأنا أريد، فاللغة تسمح لمستخدميها منذ طفولتهم المبكرة أن يشبعوا حاجاتهم وأن يعبِّروا عن رغباتهم.
(2) الوظيفة التنظيمية: وهي تُعرف باسم وظيفةافعل كذا.. ولا تفعل كذا؛ من خلال اللغة يستطيع الفرد أن يتحكَّـم في سلوك الآخرين, لتنفيذ المطالب أو النهي، وكذا اللافتات التي نقرؤها وما تحمل من توجيهات وإرشادات.
(3) الوظيفة التَّفاعلية: وهي وظيفةأنا  وأنت؛ تستخدم اللغة للتفاعل مع الآخرين في العالم الاجتماعي باعتبار أنَّ الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ لا يستطيع الفِكاك من أسر جماعته, فنستخدم اللغة في المناسبات, والاحترام, والتَّأدب مع الآخرين.
(4) الوظيفة الشَّخصية: من خلال اللغة يستطيع الفرد أن يُعبر عن رؤاه الفريدة, ومشاعره واتجاهاته نحو موضوعات كثيرة, وبالتَّالي يُثبت هويته وكيانه الشخصي، ويقدِّم أفكاره للآخرين.
(5) الوظيفة الاستكشافية: وهي التي تسمى الوظيفةالاستفهامية، بمعنى أنَّه يسأل عن الجوانب التي لا يعرفها في البيئة المحيطة به؛ حتى يستكمل النَّقص عن هذه البيئة.
(6) الوظيفة التخيلية: تتمثل فيما ينسجه من أشعار في قوالب لغوية، كما يستخدمها الإنسان للترويح, أو لشحذ الهمَّة، والتَّغلُّـب على صعوبة العمل, وإضفاء روح الجماعة, كما هو الحال في الأغاني والأهازيج الشعبية…الخ.
(7) الوظيفة الإخبارية (الإعلامية): باللغة يستطيع الفرد أن ينقل معلومات جديدة ومتنوعة إلى أقرانه, بل ينقل المعلومات والخبرات إلى الأجيال المُتعاقبة, وإلى أجزاء مُتفرِّقـة من الكرة الأرضية، خصوصًا بعد الثورة التكنولوجية الهائلة. ويمكن أن تمتد هذه الوظيفة لتصبح وظيفة تأثيرية, إقناعية؛ لحثِّ الجمهور على الإقبال على سلعة معينة أو العدول على نمط سلوكي غير مُحبب.
(8) الوظيفة الرمزية: يرى بعض العلماء أنَّ ألفاظ اللغة تمثل رموزاً تشير إلى الموجودات في العالم الخارجي, وبالتالي فإنَّ اللغة تُستخدم كوظيفة رموزية.
     واللغة هي وعاء الثقافة, وأداة الاتِّصال بين الماضي والحاضر ولا يستطيع الإنسان مهما كان أن يقف على كنوز الفكر الإنساني من تاريخ وشعر ونثر، بل لا يستطيع أن يُقيم شعائر دينه بدون اللغة, فاللغة لها وظائف للفرد وظائف للمجتمع.
وللغة وظائف كثيرة بالنسبة للفرد؛ منها:
1ـ أنَّها وسيلة اتصاله بغيره لقضاء حاجاته.
2ـ هي وسيلة للتعبير عن آلامه وآماله.
3ـ هي وسيلة للإقناع في مجال المناقشة.
4ـ هي وسيلة للانتفاع بأوقات الفراغ, والاستفادة من تجارب الآخرين بالقراءة والاستماع.
5 ـ مهمة جداً في مجال التفكير.
     ويقول ماكس نور داو:”باللغة يتلقَّي الفرد كُلَّ التُّراث الفكري والشعوري والأخلاقي والاجتماعي للأمة؛ سواء ما انحدر عن قرائح الكتاب والشعراء والمفكرين, السالفين, والمعاصرين
      وأمَّا وظيفة اللغة للمجتمع فهناك العديد من الوظائف؛ مثل:
1ـ تحفظ التراث الثقافي والتقاليد الاجتماعية جيلاً بعد جيل.
2ـ تجعل للمعارف والأفكار البشرية قيمًا اجتماعية؛ بسبب استخدام المجتمع للغة للدلالة على معارفه وأفكاره.
     والذي يذهب إليه العلم هو أنَّ اللغة ظاهرة اجتماعية؛ كسائر الظواهر الاجتماعية, ومعنى هذا أنَّها من صنع المجتمع الإنساني, واللغة كالكائن الحيّ، فهي تنمو وتترعرع وتشب وتشيخ، وقد تموت إذا لم تتوفر لها عوامل الديمومة والاستمرار, مرهونة في ذلك بتنوع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية، فعندما يتطور المجتمع حضاريًا وإنتاجيًّا تتطور اللغة والعكس…، فهي في الطور البدوي تختلف عنها في المدنية والحضارة، وهي في أهل الصحراء خلافها في الجبال والسهول.
  وفي اللقاء القادم إن شاء الله أتكلم عن مكانة اللغة العربية بين اللغات العالمية وأهميتها.

* أستاذ اللغة العربية ، جامعة جازان.