عندما يتحدث الجميع باسم الشعب


عندما يتحدث الجميع باسم الشعب
عندما يتحدث الجميع باسم الشعب

عزيز سعيدي


"الشعب يريد"، "المغاربة يريدون"، "الشعب غاضب"، "إرحل"،...
 جُمل من بين أخرى سمعناها كثيرا ولازلنا نسمعها من أفواه الجميع وكأن الشعب نصَّبهم للحديث باسمه وانتحال شخصيته للترافع لصالحه في مواجهة الدولة والمؤسسات وجميع الفئات الأخرى المكونة له. وفي هذا إشارة واضحة لما يعتري تعامل البعض مع "الشعب"، كمفهوم وكمرجع أساسي لبرامجهم وميولاتهم الإيديولوجية وأغراضهم الشخصية، الذي يتسم ب"الإستغلال" والغموض والضبابية في تعاطيهم مع مكوناته وانتظاراتهم.
الشعب، أو هذا الكائن المجرد الذي خُلق كمفهوم لتحديد و جمع الأشخاص الذين ينتمون لبلد واحد و يتشاركون نفس الإنتماء و نفس الأهداف يعرف في الآونة الأخيرة تطاول وترام مقصود لهيئات سياسية وحزبية ونقابية وجمعوية على حرمته ويُستغل أبشع استغلال كما يستعمله كل من هب ودب في الحركات الإحتجاجية والمظاهرات والتجمعات الحزبية والجمعوية لتهييج الرأي العام ويعيش منذ مدة على وقع تجاذبات سياسوية رخيصة تزداد حدتها كلما اقتربت المواعيد الإنتخابية وكلما اشتد الصراع بين الفرقاء السياسيين والتشكيلات النقابية والجمعوية.
وإذا افترضنا جدلا بأن جل الأنظمة السياسية تبني أسسها وركائزها على إرادة الشعب وما يقرره عبر صناديق الإقتراع وما تفرزه من نتائج فذلك يدل بما لا يدع مجالا للشك بأن المصدر الأول والأخير لقوة ومشروعية من يحكم ويدير دواليب الدولة ومؤسساتها يجب أن يكون هو الشعب. وهذا يدل على المكانة الأساسية التي تحضى بها كل مكوناته وأطيافه، الأمر الذي يُغذي أطماع الهيئات الحزبية والنقابية والجمعوية لكسب ثقته بكل الوسائل سواء أكانت مشروعة أوغير مشروعة ولا يهم إن كانت مبنية على الكذب والخداع والنفاق لأن الهدف الواحد والأوحد  لهؤلاء يغلب عليه الطابع الشخصي الذي يتجاوز في غالب الأحيان ما هو موضوعي وما ينتظره الشعب من ممثليه ومنتخبيه وممثلي الدولة في مختلف التقسيمات الترابية للبلاد.
ففي المغرب كما في باقي بلدان العالم، تُستعمل كلمة "الشعب" كثيرا في كل المناسبات و الولائم و الخطابات السياسية يمينا و يسارا عن صواب و عن خطأ و يتداولها الجميع بدون إذن أحد. لكلٍّ غايته من وراء إقحام الشعب في مناوراته، فالدولة والمخزن يستغلون الشعب ليَعُمَّ الأمن والأمان وتهدأ الأمور بل وقد تصل حد استحماره حتى لا تتدهور الأمور وتضطرب لأن في ولاء ورخاء وخنوع الشعب استمرارية للدولة ولاستقرارها. والحكومة التي تجسد الأغلبية الحاكمة تتفاعل مع الشعب إيجابا أو سلبا وتحاول استمالته حتى تكسب رضاه بغية الفوز بتعاطفه مجددا كلما انتهت ولايتها وأُعلنت الإنتخابات. والمعارضة تعمل جاهدة على إثارة سخط الشعب وغضبه على سياسات الدولة والحكومة وبرامجها في سعيٍ منها لكسر شعبية الحكومة التي ربحتها في الإنتخابات التي مكنتها من قيادة البلاد وتُستعمل في ذلك كل الوسائط والسبل التي قد تربح من خلالها تعاطف الشعب وقد تنقلب ضدها وتزيد من شعبية الأغلبية كما هو حاصل في الوضع السياسي الراهن بالمغرب.
والملاحظ في واقع الحال المغربي هو محاولة الجميع إيهام من يستمع إليهم أو يتابع نشاطاتهم بأن همهم الأسمى هو خدمة الشعب و السعي وراء حبه والتضحية بالغالي و النفيس في سبيل رفاهيته. الأمر الذي يتجسد بجلاء في الخطاب السياسي للأحزاب المغربية ،أغلبية ومعارضة، وحركات النقابات الإحتجاجية ومرافعات الجمعيات بمختلف توجهاتها وايديولوجياتها عندما تتوجه مخاطبةَ فئات الشعب في محاولة منها تأليبها على خصومها وجرها لتأييد مواقفها وبرامجها.
ولأن الشعب المغربي لم يعد بتلك السذاجة التي كان عليها سابقا إبان عهد الدولة البوليسية التي تحكمت في كل شيء ولم تترك لأحد تلك الحرية اللازمة ليعبر عن رأيه صراحة وبدون قيود، تحولت الساحة السياسية بالمغرب إلى حلبة لصراع، أطرافه سياسيون ونقابيون وجمعويون وشخصيات تتبارى فيما بينها من أجل الفوز بعطف وثقة المغاربة، الأمر الذي نتج عنه تداخل مشوه بين ما هو حقيقي وواقعي يستمد قوته من دراسة وتحليل منطقيين لواقع الحال المغربي ولقدرته على تحمل الوعود التي تُوزع يمينا وشمالا وما هو كذب ونفاق وبهتان يختلقه من يتوجه للشعب إبان وقبيل كل الاستحقاقات الوطنية بغية الوصول لأهداف لا تتطابق في غالبيتها مع ما يتمناه الشعب من الدولة ومؤسساتها وممثليها.
وفي كل هذا اللغط يجد المواطن المغربي نفسه أمام شرذمة من أشخاص يكذبون وينافقون ويُوزعون الوعود بدون وجه حق ولا يوفون وأمام دولة رغم ما تبديه من محاولات لاستتباب الإستقرار وتحقيق النمو والرخاء للشعب لم تصل بعد لتلبية كل ما ينتظره هذا الأخير من الدولة وأمام فرقاء سياسيين يظهر جليا من ممارساتهم السياسية التي تشوبها الهواية و العويل والبهرجة بأن مصلحة الشعب والبلاد هي آخر ما يسعون لتحقيقه ولا يبقى له كبديل للهروب من خداع هؤلاء الذين يدعون تمثيله والدفاع عن مصالحه سوى العزوف عن ممارسة مواطنته المشروعة على أحسن وجه أو على الأقل كما يجب أن تُمارس ويُفضل بذلك لعب دور المتفرج المنتقد لأحوال البلاد والسب والشتم عوض المساهمة في لُعبٍ سئم المشاركة فيها ككورال وكومبارس يُأثَّثُ به المشهد والرأي العامين ولا يستفيد من شيء رغم أن النظام ككل يستمد قوته واستقراره من إرادة ومساهمة وانخراط ورضى الشعب.