عطر : لن نعيد اكتشاف الدولاب


ريف سيتي : بقلم رندة صادق - لبنان
نعم لن نعيد اكتشاف الدولاب، فهذا الاكتشاف الثوري لن يتكرر ككل الاكتشافات، هناك تضارب متى عرف الدولاب وفي أي حضارة؟ ولكن الشكل الذي عرفته حضارتنا الحديثة أو ما عرف بالدولاب الهوائي اكتشفه البريطاني جون دنلوب عام 1845 وتليه الفرنسي ادوار ميشلان عام 1895 حيث تمكن من صنع الدواليب في سيارة سباق من مدينة باريس إلى مدينة بوردو الفرنسية وفي عام 1948 أنتج ميشلان في فرنسا الدواليب القطرية راديال إنتاجا تجاريا.
لست بصدد الكلام عن اكتشاف علمي، ولكن هو مدخل إلى فكرة تدور في ذهن معظم المتابعين والمطلعين الذين يتابعون قضايانا وأزماتنا نحن بني البشر الذين مهما اختلفت تفاصيلنا وانتماءاتنا وألوان بشرتنا ودياناتنا وحتى أحلامنا نعاني من مشكلة واحدة، هل نحن فعلا نضيف إلى المفاهيم التي عرفها الإنسان منذ وجوده؟ هل نحن قادرون على إنتاج فكر لا يمكنه التأثر بمن سبقه أو حتى البناء عليه وتطويره ؟ هل وصلت البشرية إلى حد تناسخ الأفكار وتغيير المسميات دون الوصول إلى جديد يذكر؟ من المؤكد أننا لن نكتشف الذرة مرة أخرى هذا على الصعيد العلمي فهم يطورون اكتشافاتهم ويلجون عوالم جديدة بعد لم تظهر في المجالات العلمية، لكن حين يتعلق الأمر بالأخلاق علينا أن نقف ونفكر جيدا، هل سنعيد اكتشاف الأخلاق، وكيف على الإنسان أن يتصرف، وبأي قيم عليه أن يتحلى؟ نحن في أزمة أخلاقية، فتراجع الأخلاق لم يعد ظاهرة محلية أو ظرفية، ولكن كما ينهار الاقتصاد العالمي تنهار القيم وتسقط الأخلاق في لجة الاختبار، فالغرب لاحظ هذا الأمر وبدء في تعديل مناهجه التربوية لإعادة القيم في مجتمعاته، ولعل اليابان تفوقت على الجميع حين قررت أن تقر مادة تعلم القيم الإنسانية المستمدة من عقائدهم مثل (البوذية والشنتو) في مناهجها التربوية ابتداء من عام 2018، إذا الأجراس تدق عالميا، أين عالمنا العربي مما يحدث خاصة ونحن الأكثر معاناة، على الرغم من أن الشرق موطن الديانات السماوية ومهد الأنبياء، إلا أننا نواجه حالة من التسيب الأخلاقي رغم أن الدين الإسلامي هو دين مكارم الأخلاق. هل المشكلة في البيت أم في المدرسة أم في المناهج أم في كل هذا؟ من الملاحظ أن هذا الجيل يعاني من أزمة كبيرة في فهمه للمفاهيم الإنسانية والقيم الاجتماعية وهو ينظر إلى كثير من هذه القيم على أنها بالية لا تتفق مع روح المعاصرة التي حولت علاقة الإنسان بأخيه الإنسان إلى علاقة مادية تقوم على المنفعة والمصالح الآنية، فسقطت معظم الروابط والقيم، مثل: التواصل الراقي وصلة الرحم والوفاء والإخلاص، وباتت أمورا لا يُكترث بها إلا من رحم ربه.
هذه الصورة ليست صورة سوداوية بل قراءة واقعية للكارثة التي ستحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات مسلوبة القيم، المسألة ليست في ان نكتشف جديدا بل ان نتمسك بما توصلت إليه البشرية من وعي والبناء عليه، الإنسان يحتاج ان يبني على قيمه القديمة مفاهيمه المعاصرة التي لا يجب أن تخرجه من إنسانيته ولا تحوله إلى كائن آلي بلا معنى لوجوده، لا تستعر في قلبه عاطفة ولا تشتعل بداخله ذاكرة ولا يتقن الوفاء. لا يمكن ان نبقى بغفلة والعالم كله يعيد تموضعه، على الحكومات ان تفكر كما فعلت اليابان ان تدعم المناهج التي تركز على القيم، وطبعا هناك نقطة مهمة لا يمكن أن نغفل عنها، واقصد بها الدين، فالابتعاد عن الدين في جوهره ابتعاد عن الأخلاق، ومن المهم جدا تهذيب النفس وتعويدها على الأخلاق السامية بمحاسبتها ومراقبتها.

randanw@hotmail.com