شاب من العروي يحكي بطريقة مثيرة قصته مع رحلة الموت للوصول إلى أوروبا عبر تركيا


‏‎في منتصف الشتاء القارس .
بقلم عزيز المكي
‏‎اليوم الأول .
‏‎أجلس وسط ساحة الأمم المتحدة بالدار البيضاء ،و كالعادة و أنا  أنفث سجارتي بتفاخر ، على جوانبي الصالح و الطالح ، بائع القهوة يحاول اجباري على شراء قهوته الرديئة ، الشمس حارقة رغم أنه وقت الغروب ، ما يلفت انتباه كل من يزور المدينة أن العراء والرذائل تملأ كل الأزقة ،
ربما يجب تغيير اسم هذه المدينة الى دار الشيطان .

‏‎اليوم الثاني .
‏‎اليوم هو اليوم الموعود اليوم الذي سأغادر فيه هذا الجحيم .
‏‎استفقت في الساعة التاسعة ،أمشي بخطى متسارعة ، في اتجاه مكتب صرف العملات كي استبدل ديرهماتنا النجسة ببعض الأوروهات لعلها تسكت بعض أيام الجوع في مدينة اسطنبول .
‏‎بعد أن غادرت مكتب الصرف ، اتجهت صوب حافلة القطار ،أجلس في ركن من الأركان ، أدخن سجارة تلوى و الأخرى ، احاول اجترار ذكرياتي بأقاربي ، وحبيبتي  التي هجرتني ، و خانت عهداً قطعناه ونحن نمسك بأنامل بعضنا بقوة، اجتر ذكرياتي و أنا ادرف الدموع على أصدقائي اشتياقاً ،اللذين لم يستسيغوا رحيلي عنهم فجأة ، فمنهم من حاول ردي عن فكرة الهجرة و منهم  من انسلت من أعينه بعض قطرات الدمع .
‏‎بعد ركوبي القطار المتوجه إلى مطار البيضاء ، و أنا منتشي بالسجائر و أني سأتخلص من هذا البلد الذي لم تعد فيه مكان لي و لأمثالي الذين لم يستسيغوا تخلف أفراده عن البشرية جمعاء .
‏‎أدخل مركز المطار و أنا أحمل جواز السفر الذي و لا شك أني سأتخلص منه في أقرب فرصة ...
‏‎أنخرط في صف يحمل ركاب رحلات مختلفة امريكا ، بلجيكا ، مدينة الداخلة ، لكن الأهم مدينة اسطنبول .
‏‎بعد أن جاء الدور علي ، أفاجأ من كون موظف الإسقبال  يطلب مني 300أورو كاش ، فأسخط عليه يمنة و يسرى ، يقول هذا الأخرق أني إذا لم أحمل المال فهذا يعني أني سأسرقه ،أسب و ألعن في كل الإتجاهات ، أنسحب من الصف متخاذلاً، أدخن سجارة و أنادي كل  رقم من الأرقام المسجلة في هاتفي ، أملاً في أن ينقذني أحدهم من أرض الخيبات .
‏‎بعد نصف ساعة ، و بعد تدخيني زهاء السبع سجارات ، أعود للصف بعد أن وجدت حلاً لمعضلتي ،كون أن أحدهم قبل مساعدتي ، أعود لصف الركاب و الأدرينالين ينسكب بغزارة في جسدي الهزيل المليء برائحة السجائر ،
‏‎أمر هذه المرة بسلاسة ، أعبر الطابور تلو الآخر ، في نهاية النفق ،وصلت لسياج التفتيش ، يسألني الشرطي ، خلع حذائي ، و الجاكيط الجلدي ، أمر من السكانير ، فتنطلق صفارة قوية كادت أن تفجر أوعية قلبي ، يسأل الشرطي هل تحمل هاتفاً ، فأجيبه نافياً، لا هاتفي في الحقيبة ،
‏‎يسأل مجددا إذاً ما كان ذلك ،
‏‎أجيبه مرتعبا و أنا أشير إليها  : ربما هو الحزام المعدني ،
‏‎يقول: آه نعم ،و هو ينظر إلي بمكر ،
‏‎فيطلب طلبا غريبا ،
قال : إخلع الحزام من فضلك .
‏‎بعد طلبه الغريب ،استذكرت قصة محمد شكري بعد أن طلب منه الإسباني خلع سرواله كي ... .
‏‎بسخرية قلت (بقالي غا نحيد سروالي)
‏‎ضل الشرطي صامتاً لثوانٍ ،‎ثم سمح لي بالمرور .
‏‎تتالت بعد ذلك الطابورات مجددا ، في النهاية ،وصلت إلى المخرج ،و كان علي أن أنتظر زهاء النصف ساعة ،دخنت فيها بنهم .و عند انتهاءها (النصف  ساعة )
‏‎اتجهت نحو الطائرة ، أخذت صورة للذكرى ،و أنا أكتب هذه المذكرة و سط الطائرة و أنا أتضور جوعا كون أنه لم يتسنى لي الوقت كي أملأ معدتي ببعض الطعام الرخيص.
‏‎اليوم الثالث :
‏‎أصل إلى مطار صبيحة الدولي بإسطنبول ، و بجانبي فتاة تعرفت عليها و سط الطائرة ، فبعد ركوبها بقربي و إغرائها لي ببعض الحركات الفاحشة ، حاولت سرقة محادثات قصيرة هنا و هناك ، أطلعتني أنها جاءت لغرض عملية تجميلية ، و أن الطبيب المختص سيتكلف بنقلها للجهة الأخرى من اسطنبول ، و الذي يستغرق ساعة من الطريق على السيارة ، و لشدة مكري ارتأيت أن أستغل الفرصة كي أوفر علي عشرين أوروهات ، فأرافقها في نفس السيارة.
بعد الوصول الى المطار أتحدث مع مساعد الطبيب ، و أسأله إن كان بإمكاني مرافقتها ، مدعياً أني من أسرتها فأجاب بالإيجاب .
‏‎استقللنا السيارة و وصلنا الى الهوتيل .تسألني أن أتحدث إلى موضف الإستقبال ، أترجم الجمله بعد الجملة ، في النهاية ، هي تذهب لغرفتها، مخيّبةً أملي في أن أشاركها الفراش،تتركني وأنا قد انغمست في حديث ودي مع الموضف ، فيسكب لي قهوة تركية ساخنة ، بعد أن طال الحديث ارتأيت أن البرد قارس في الخارج و يجب أن أجد حلاً يقيني منهُ ، فصديقي الذي كان سيحتضنني لا يجيب رغم كل الإتصالات ، فسألت موضف الإستقبال ، هل يمكنني النوم علي الأريكة ؟فأجاب بالإيجاب ، فنمت نوم عميقاً .
‏‎ اليوم الرابع .
‏‎برد قارس، تجوال بدون هدف . أشتري قفازاً ، آكل بنهم ، أدخن بنهم ، شيخ تركي سِكِّير يقاسمني بيرا أستغلها في تسخين جسدي الهزيل ، نوم في العراء .تخدر في نصف جسدي الهزيل كاد أن يقتلني برداً ...
اليوم الخامس.
صباح قارس، أزور أقرب مقهى كعادتي كي أملأ بطارية الهاتف ، النادلة تغازلني بامتسامات عريضة و نظرات شهوانية ، و صاحب المقهى يفقه بي ، في المساء ، أصدم بأن ركن الحديقة التي أتخذته وكرا لي ، قد بُلِّلَ بالأمطار ، أحاول صنع مضلة تقيني من من المياه الغزيرة التي تنهال على مثل الرصاص لكن بدون فائدة ، فأغلف جسدي من رأصي إلى أغمص قدميّ بكيس أزبال بلاستيكي، وبدون فائدة أيضاً، لم أحس بهذا العذاب النفسي ولا الجسدي من قبل ، غريب وحيد ، جائع ، يرتعش برداً، فيأتي من وسط الضلام ، ملاك حارس ، اسمه شريف ، يقترب بخطى حذرة ، يسألني بالتركية
-ما بك ، ماذا تفعل هنا؟
 -أجيب بالآنجليزي،
-إيتس أوكي، آي ويلل تشينج ماي پلايص ، فيسألني أن آتي معه الى مقهاه ، أتبعة و ابتسامة خجولة ترتسم في وجهي البشع ، يتبادل كلاماً مع أشخاص كانوا معه ، كلامٌ لم أفهم منه ولو كلمة واحدة ، فيلتفت إلي سائلا.
_ من أين أتيت و إلى أين أنت ذاهب ...؟
اجيب .
_المغرب و آتْ كي أزور صديقاً .
يقترح أن أبيت معه الليلة ،و فرحاً أني سأسلمم من النوم و الأمطار تنهال على جسدي الهزيل أجيبه بالإيجاب.
المنزل يبعد عن المحل خمس دقائق ، ندخل المنزل ، يجمع بين أريكتين ، و يسألني إن كانت ملابسي مبللة .
فأجيب .
:أجل قليلا .
  يغادر الغرفة و يعود حاملا ملابس قديمة و واسعة، قمصان و سراويل، فيسألني أن أغير ملابسي،أوافق بدون تردد ، يجلس بقربي و يتناول هاتفه كي يحاورني كون أني لا أفهم في اللغة التركية ، غير كلمة (سيني سيفيليوروم )أي أحبك .
يسألني لماذا أنت هنا حقا و إلى أين أنت ذاهب ، بعد لطافته الرائعة التي لا يمكن نكرانها ، ارتأيت أن أن أعترف له بكل شيء، -أنا هنا لأني أنوى الهجرة إلى أوروبا ، فقال :الطريق صعبة الآن ، و الهجرة السرية في هذا الوقت هو شيء اشبه بالإنتحار .
فحكيت له قصتي، قصة البلد الذي يشنق الحرية بفم البندقية حكيت  له خيباتي ، و حكيت له عنها أيضاً فقال ، تبا لها ، هي لا تستحق ، دمعت عيني ، و صمتتُ لدقائق، قال :أنا تعب الآن ، ابق هنا سأعود غدا.
و أوصيته أن يوقضني على الساعة التاسعة صباحاً.

اليوم السادس :
غادرت المنزل ، و اشتريت بعض المأكولات كي ترافقني المسير ،و تركت جواز سفري عند شريف .
اسقللت الباص ثم الطرامواي ، ثم القطار، مسيرة ست ساعات انتهت بالقبض علي و على جميع المغاربة و الجزائريين في القطار ،صرخات في المحطة من كان يحمل الجواز تم اخلاء سبيله أما أنا و أمثالي تم نقلنا للحجز ، عوملنا معاملة الحيوانات، وضعنا في شنطة السيارة كما توضع الصناضيق ، صرخت في من الخلف معاتباً الشرطي ، ويير إييز. هيومانتي (أين هي الإنسانية )، فأجاب ساخراً ،( أوكي) .
في مركز الشرطة سأل واحد من الشرطيين في السيارة ، من قال عبارة ، (وييير إييز هيومانيتي) ، رفضت الإعتراف ليس خوفاً منهُ ،بل لأني أرفض بتاتاً حوارا راقيا مع شرطي تافه و حيوان، لكنه اكتشف من شكلي الأنيق أني الأكثر رقياً منهم، وصوتي المبحوح بسبب السجائر كان دليلا دامغاً.
قال بغضب  :أنت صاحب الفعلة.
بشكل واثق أجبت : أجل أنا ، السيارة صممت كي تحمل أربعة ، أشخاص و أنتم أجلستمونا بمقائعد زائدة كالحيوانات ،
دفعني دفعة إهانة ، فابتسمت ابتسامة سخرية .
سألني  :هل أنت ؟
أجبت ؛ أجل أنا إنسان ولا شيء آخر.
قال إذا ماذا تفعل هنا ؟
قلت :أنا ليبي ، هربت من ليبياً فالحرب طاحنة هناك .
دفعني ذفعة ثانية و لا مبالاتي بصراخه الهمجي ، جعلته خاسرا في نقاشي .
طلب منا جميعا أخذ صور و بصمات ، وحين حان دوري نزعت قبعتي فضهر شعري غريب الشكل المصفف على جهة اليمين ، فسألني نفس الشرطي.
هل أنت فنان ؟
بالإيجاب أجبته كاذباً، كي يزيد احترامه لي .
-أجل ، أنا كذلك ، أكتب قصصاً قصيرة ،
أجاب.
- هذا واضح.
 سألني أن لا أنسى أن أذكره في الكتاب الذي أنوي كتابته .
تمت سياقتنا لمركز الحجز فرأيت الويلات ، إهانات و لعنات ، و سجناء همهم الوحيد هو تحقيق السطوة في السجن ، عراقيون و باكستانيون و افغان و جزائريون كلهم كانو هناك ، و كعادتي التي أجدها سهلة،  فقد كسبتُ وِدّهم بسرعة ،و ربطت علاقة صداقة مع اثنين منهم ، ايراني و افغاني .
دام الحجز أربعاً و عشرين ساعة كانت بطيئة لدرجة أني أحسست أنه فاتني من الحياة ، عقد من الزمن.

اليوم السابع :
في مساء اليوم التالي نودي باسم من سيغادرون الحجز، و وقد كان إسمي المزيف آخر الأسماء.
أرجعت لنا حوائجنا ، هواتف و متاع ،
و دفعنا عشرة يوروهات كي يعيدون إلى اسطنبول .
في منتصف الطريق توقف السائق ، لوجبة العشاء و طلب منا عدم حمل الحقائب ، غفلته ، و خرجت هارباً .
انتظرت حتى استسلم الشرطة و العسكر من البحث عني وسط الحشائش لساعتين ، وقد بدأ الشمس بالإشراق .
ولم تتجواز خمس دقائق من وقوفي وسط الطريق السريع حتى توقف سائق شاحنة نقل البضائع كي يعيدني إلى اسطنبول ، ولم يقبل أن أدفع له ، مدني ببضع سجارات وشكرته .
تناولت الهاتف ، و حددت موقع محل صديقي شريف ، واتجهت صوبه كي أبيت عنده مرة أخرى .
بعد بضعة أيام ...
و صلني خبر الميثاق الدولي للهجرة جاعلاً إيّاي أتنفس الصعداء كون أن التواقيع التي وضعت هناك في مراكش يمكنها أن تسهل عليّ طريق هروبي .
أخرج من بيت شريف و أتجه نحو السوپير ماركت ،و شتانا بين أسواق المغرب و أسواق إسطنبول ،فكيف لك في أسواق المغرب أن تتخذ منه ،حماماً تتبول فيه و صالون تغسل فيه وجهك البشع ، و أن يتسنى لك تغيير ملابسك و مشط شعرك الأجعد .
أخرج من المول ،ليس كما خرجت من بيت شريف،شعر مصفف و ملابس نظيفة و وجه يخلو من رائحة النوم .
أشتري صندويشاً، و أتجه الى المقهى كي أملأ بطارية هاتفي كي أكلم الأصدقاء،
فالغربة في مدينة اسطنبول غريباً وحيدا جائعا، هي أشبه بالسجن الإنفرادي،
بين الفينة و الأخرى أسرق نظرت إلى تلك الصورة لعلها تطفئ لوعة الشوق ،لكن بدون فائدة ،
أتجه إلى وكري في الحديقة،
تذكرت أني لم أتناول اللحم منذ أسبوع ، فكان علي أن أبحث عن مطعم يبيعه بثمن بخس ، فلم أجد غير الهندي الذي لم يستطع أن يعرف أين يوجد بلد المغرب ،
يناولي السندويش الذي يساوي سبع ليرات ، فآكله بنهم ،ثم أعود للحديقة ، كي أنتظر شريف حتى ينهي عمله كي أبيت عنده للمرة الأخيرة.
باستثناء الشرطة أبناء العاهرات، فالتركيون أروع شعب .
اليوم العشرون .

أستقل القطار متجها نحو المدينة الحدودية  إيديرنا مرة أخرى ، و لكي أقي نفسي من الإعتقال مرة أخرى ، سقطت علي فكرة أن أتوقف في المحطة التي تسبق محطة المدينة بسبعين كيلومترا، و أكمل المسيرة على قدمي  ، أغادر القطار في محطة ألبالار ، لا يوجد شيء غي الظلمة و سكة القطار، ألتقي بمغاربة ساذجين كادوا أن يسقطو في فخ الشرطة ،لولا إنقاذي لهم.
نتفق كلنا بعد نقاش حاد كنت أنا القائد فيه ، أن نتبع السكة الحديدية و لا شيء يظهر أمامنا غير خشبات السكة ،خطوة تليها خطوة، بين الفينة و الأخرى يكسر مسيرنا قطار مرعب نختبئ منه وسط الحجارة في جوانب السكة،الأمطار تتهاطل بغزارة، ملابسي تبللت ، أقدامي تنملت ، أنفي يخرج منه مخاط أخضر حيناً و أصفر حيناً آخر ، بعد الكيلو متر العاشر ندخل في نفق اتخذناه ملجأً نشعل فيه كومة من النيران ندفئ بها أناملنا التي لم تعد تبغي الحراك .
نأخذ قيلولة قصيرة ، تنتهي بقطار يمر من وسط الظلمة ، تتووت توووت ،نكمل المسير .
صباحاً بحثنا عن مسجد ننام فيه ، و وجدنا واحدا ، لكننا طردنا منه كون أحد المصلين السخفاء ، طمعاً في مرضات الله قرر أن ينادي الشرطة كون أن هندامنا لم يعد صالحا لهذا المقام الجليل ،
بحثنا عن مسجد آخر كنت أنا موجده ، و تمكنت من إثارة شفقة إمامه كي نبيت الليلة ، دخن فيه المغاربة الذين كانوا معي ودخنتُ أنا أيضاً فالبرد في الخارج كان قارسا . في الصباح وصلنا خبر أن خمسة مغاربة ماتوا فاليونان متجمدين ، فقررت و قررنا العودة الى اسطنبول.

اليوم الخامس و العشرون .
 
عدت الى اسطنبول ، واتصلت بصديقي شريف . كي ابيت عنده الليلة ،لكن كان من البديهي أنني سأصير ثقيلا عليه  كي أبيت عنده لأكثر من أسبوع لذلك ، قررت أن أكتري غرفة دافئة أقيم فيها سباتا شتوياً ، حتى أخفف من صبيب إنفاقي ، لأن اللِّيرات بدأت تنفذ من جيبي ،و لا شك أني سأصوم رغم عني في نهاية هذا الشهر ، في انتظار تحسن الأجواء لن أحرك ساكناً ، فحقا قد صدق شريف حينما قال ، إن رحلة الهجرة في هذا الوقت هي أشبه بالإنتحار .  فالبرد في المدينة الحدودية قاتل .
الحق أنني لست خائفا من الموت بالضرورة ، كل ما يرعبني حقاً هو زوالي إلى العدم ، دون أن أترك رسالة هادفة تغير ولو قليلاً في نظرة البشر إلى الحياة ، و توضيح بساطتها من تعقيدها .
أنتَ ،  أنت ِ و أنتم ، كونوا أنفسكم .
كُنْ إنساناً و لا شيء آخر .
اليوم الثلاثون :
بدأ الروتين الركيك يعود لينخر مخيلتي ، بعد رحلة فاشلة شاقة كنتم على مقربة أبواب منزلي لتأكلو الكسكس لولا رحمة الأقدار ، يوم شاق في مصنع علب الحلوى انتهى و انتهت معه طاقتي المتجدرة في عضامي ،وقررت الخروج منه مبكراً لأن فؤادي رآ فيه مركزا للعبيد لا عملاً كريماً، صديق قديم، رأف بحالي  وأرسل معونة أنقذتني من أن أُقذفَ إلى الشارع مجدداً و أنا أتجول في جنبات اسطنبول ، و أنا أتلقف الأمطار و الثلوج و البرد القارس الذي لم يعهد لجسدي الهزيل أن ذاقه ، فيليبينية مسكينة أحبتني بعد ثلاثة أيام من الدردشة ،و أرسلت لي مئة يورو رفضت مكاتب الويستر يونينيون منحها إياي  كون أن الفيليبين أغلقت كل المنافذ لإخراج أي سنتيم من البلد.
فشِلت في محاولة مساومةِ و إغراء مومس جميلة ، للحصول على ليلة حمراء، دونَ أن أدفعَ قِرشاً واحداً.
سُرقتْ مني خمسون أورو جعلتني أتوقف لوهلة و الليرات تكاد تنفذ من جيبي أفكر في ماذا أفعل هنا؟ و إلى أين أنا ذاهب ؟

(آيدا* ،أنا أعذركِ فشكلي البشع فشلَ في إغراء حتى تلكَ البشعةِ هناكْ ، فما بالك لك أن تكوني أنتِ ).
اليوم الثاني والثلاثون .
حماسة بالغة و قد جاءني أملٌ ، بأن ما أحضرت معي من المخرب من لغة إنجليزية ركيكة قد توفر لي بعض الليرات أسكت بها صرير معدتي ، لم أنم الليل بطوله و أنا أستعد لمقابلة عمل كمترجم بشركة عربية هنا في اسطنبول ، أستيقض ويقابلني وجه ذاك السمين الذي معدته تشبه امرأة حامل في شهرها التاسع، يطلب مني سيجارة و أعطيها إياه كي يغرب عن وجهي ،يعود لسباته في الغرفة المجاورة ، أستقل الميطروبوس الفائق السرعة و أصل إلى بوابة العمارة ، الشركة بالطابق السابع ، أدخل فتسقبلني فتاة جميلة تشبه ممثلات هوليوود الرشيقات ، تسألني الدخول إلى مكتب صغير ، توجد به امرأة أربعينية ، سورية  على الأغلب ، تسألني قصة وصولي لبلد العثمانين ، فأخبرها فقط رؤوس الأقلام متفاخرا كاذباً أني أدرس بالسنة النهائية ، بالدراسات الجامعية ،
فيما يخص الوظيفة فكان من المفترض أنهم يبحثون عن مترجم .
لأفاجأ أن تطلب مني أن أعمل كمسوق ، أي أتجول في جنبات المدينة بحثا عن الزبائن و أحاول استمالتم . لكن الطامة الكبرى هي أنني لن أحصل على قرش واحد خلال أسبوعين و حتى بعد الأسبوعين لا شيء يضمن أنّي سأصير موضفا دائما .
من حسنِ حضي أني إنسانٌ مدخنْ، فلولاه لكنتُ إنساناً ساذجا يتحمس و يقتنع بكل ما يقال ، فالسجائر رغم أنها ولا شك قد زرعت سرطانا في رأتي الآن ، إلا أنها ساعدتني في اتخاذ قاراراتٍ مصيرية أنقذتني من سطوة الأعداء علي .
فالسجارة التي دخنتها قبل الصعود للطابق السابع ، أوحت لي بأن في الأمر خدعة ، فالحقيقة أن الشركة تستخدم هذا الإغواء ، اتجاه كل شاب مسكين باحث عن قوةِ يومهِ ، كل أسبوعين ،في ارساله في كل جنبات اسطنبول كي تصير للشركة اسم معروف  ولو من لسان شابٍ بائس ساذج ، و بعدها ترسله بعيداً قائلةً ، سنتصل بك فيما بعد .
اليوم الرابع والثلاثون .

أصابني مكروب خبيث ، سمح لفطيات بالتكاثر في لساني ، جاعلا أياي أشتم رائحة البنزين في كل المأكولات. ثلاثة أيام لم يدخل أي شيء في معدتي غير المياه ، و دخان السجائر ، بعدها اشتريت علبة شكلاطة حلوة هي الوحيدة التي انصغت تناولها .
تلقيت اتصالا من مصري ، يخبرني أنه يريد مني مرافقة في محاولة أخرى لتجاوز حدود تركيا .
أترك جوازي عند سوري كان يقطن معي في نفس الغرفة ، و استقل المطروبوس ، في مساء اليوم ، نتجه إلى محطة القطار ، و أفاجؤُ بأن الشرطة قد منعت أي شخص في الركوب دون جواز سفر، أحاول الإختباء في الحمام ، شرطي قد لمحني في آخر لحظة قبل أن أغلق بابه ، أخرج هارباً من القطار ،و الشرطي يحاول إخافتي بالمسدس لكن بدون فائدة .
قبل العودة للغرفة التي أكتريها بعت تذكرة القطار . بنصف ثمنها و عدت خائبا حزيناً .
اجتمعت علي كل  المصائب دفعت واحدة ، فقد صدق من قال إن المصائب لا تأتي فرادا .
الليرات بدأت بالنفاذ ، والمرض نخر جسدي الهزيل و نفسيتي محطمة ، عدت لغرفتي أنا أفكر في حل ، لكن يبدوا أن الإستسلام هو أذكى قرار يمكن أن أتخذه ، فقد بدأت أحس ، كأن الموت يتسلل الى جسدي رويداً روديدا ، وموتي بهذا المرض و بهذه الطريقة البائسة سيدمر أسرتي و أصدقائي .
 دفعت خمسة و ستين يورو كي أغير تاريخ رحلة العودة ؟ و لم يتبقا لي أي شيء غير الملابس التي ألبسها ، ودعت صديقي شريف ، و عدت إلى أرض الخيبات .