رندة صادق : لا مبرر للقتل


ريف سيتي : رندة صادق
يقول ألبير كامو الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي والروائي الفرنسي- الجزائري: “لسنا ننشد عالماً لا يقتل فيه أحد، بل عالماً لا يمكن فيه تبرير القتل
”.

 

في هذا القول الكثير مما علينا أن نعيد قراءته والتفكر به، فالإنسان لم ولن يتوقف عن القتل فتاريخ وجوده تاريخ دموي قاتل فيه لفرض قوته وسلطته من خلال سلسلة من الحروب التي تعود أسبابها بغالبيتها لاختلافات طائفية أو جغرافية أو عرقية. دائما يسهل القتل للموت مهمته ويساعده على أدائها، متغاض أنه لا يوجد في قاموس الإنسانية قتل مشروع وقتل مشروط، أما في قاموس الطمع البشري فيوجد قتل بلا غايات قتل عبثي ولكن يبقى أقبح أنواع القتل، القتل المبرر والذي تجد وراءه ايديلوجيات فكرية أو عقائدية أو يستند إلى أصول ثقافية وموروثات اجتماعية. رغِب الإنسان دائما في القتل في معتقداته القديمة حيث كانت فكرة تقديم القرابين البشرية وخير دليل على ذلك الصين حيث كانوا يلقون بالأولاد والبنات في النهر ويدفنون العبيد مع سادتهم الذين يموتون خاصة في عهد أسرة شانج في معبد عرف (بمذبح الأرض والسماء). لا احد يعرف لماذا كان يحدث هذا ولماذا ساد اعتقاد سفك الدماء لإرضاء الآلهة؟ وبقيت هذه العادة إلى إن جاء الإسلام ونشر ثقافة الأضاحي. من هنا نجد انه لا يمكننا القضاء على النزعة التي رافقت الإنسان من أول لحظة لوجوده على الأرض ومن أول جريمة عرفها البشر حين قتل قابيل أخاه هابيل، فهل هناك حقا عطش دفين للدم يولد مع الإنسان وكلما رغب في إثبات نفسه كان القتل وسيلته في فرض قوانينه وقلب المعادلات لتصبح دموية فيتبع شعار “الحق للقوة” بدلا من “القوة للحق”؟ لا ثوابت في تفسير هذا الميل للقتل الذي رافق الإنسان على مر التاريخ فهو غالبا حين يختار القتل حلا لمشاكله يدخل حالة من (الحيونة) تتفوق على الحيوان نفسه، الإنسان الكائن الوحيد الذي يقتل ويمثل في الجثث ويعذب قبل الموت ويستلذ برؤية موت الآخرين، هو يستشرس لدرجة الإجرام فلا يعود قادرا على الشعور بآلام الآخرين.

تاريخ القتل البشري كان وما زال يعود إلى أسباب يمكن تلخيصها بالتالي: القتل من أجل التوسع والسيطرة والاستعمار وهنا خاض الإنسان معارك إبادة وحشية تدميرية أدت إلى تدمير حضارات وظهور حضارات أخرى والقتل لردع القتل تحت مبرر الدفاع عن النفس أو لأسباب طائفية وعرقية أو القتل لاعتقاده أنها الوسيلة الوحيدة لتبقيه حيا . بعد كل هذا التاريخ الدموي للبشرية ظهرت أصوات كثيرة تطالب باللاعنف وبعدم استخدام القتل لفرض الحق وان هناك طرقا سلمية بإمكاننا أن نستخدمها تساهم في تحديد مصيرنا من خلال مشاركتنا في بناء الحياة على الأرض، لهذا ظهرت ثورة من نوع ثورة (غاندي) التي تنبذ العنف وترفض القتل.
ما نراه اليوم من قتل وحشي لا يمكن تبريره ولا يمكن أن يقبل أي إنسان عاقل بمبررات مرتكبيه، كما لا يمكن أن نجد من يخطب مبررا القتل ومشرعا له فيطل علينا بسمومه الفكرية لينال من عقول شبابنا ، ناشرا ثقافة القتل والموت العبثي. ندرك جميعا أن الحروب تفرض نفسها وان الحروب دائما تنطلق من قضية عادلة من وجهة نظر مقترفيها إلا أنّها لا يمكن أن تحافظ على نزاهتها ولا يمكن أن تسيطر على شهوة الدم في داخل مرتكبيها لذا نرى كل هذا الموت الذي لا يميز بين طفل أو أم أو مدني بريء.