خواطر مغربي أدمن على العزوف


خواطر مغربي أدمن على العزوف
                                                       فاس في :29/08/2015
خواطر مغربي أدمن على العزوف
                                           ذ محمد الفصيح

                                                  
بلغت درجة الإدمان عند محمد المغربي حدّاً خطيراً ،نصحه معها الخبراء بضرورة الإقلاع عن هذه الآفة ،التي يمكن أن تهدّد حياته ؛وفي كلّ مرّة يشرف على الهلاك ،يتدخّل المختصّون ،ليتعافى بمجموعة من المسكّنات والمهدّئات ،ويقول مع نفسه :لماذا أنا سلبي إلى هذه الدرجة ؟ألا يمكن ان يكون السبب في هذه المعاناة هو هذه النظرة السوداوية  التي تسيطر عليّ ؟ !! أليست تلك التحليلات الجذرية التي أداوم عليها ،وراء هذا التراجع المتواصل الذي أعانيه ؟ !!!
لماذا لا اتوجّه نحو المختبرات الأخرى ،التي تركّز على نقط القوّة فيّ ،وتتغاضى عن مكامن ضعفي وهزالي ؟ !!!
مرّت الأيام والسنوات الأربع ،وأحياناً الخمس ،والمرض ينخر جسد محمد المغربي ،ولم تنفعه العقاقير الموصوفة من قبل الخبراء ،وكادت الفاس أن تقع في الراس ،لولا التدخّل السريع ،والتوجّه نحو السرير ،وتلقي الإنعاش بوعود جديدة ،في أقسام مستعجلات فريدة ،تستخدم لغايات مزدوجة ، مقرّات وصناعة أحلام وردية  ،وتهيّأ فيها الوصفات السحرية ،التي تنقل المريض من ضموره وهزاله ،إلى مستوى أقرانه من أبناء جيرانه ،وذلك بتناول مقوّيات ومضادات حيويّة ،أثبت صلاحيتها لكلّ من تناولها .
خفّف محمد من إدمانه على العزوف من تجرّع الأدوية ،وأقبل تحت إشراف الطاقم الطبّي ، على الوصفات المحدّدة ،في أجندة المرحلة  ،التي كرّست لها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والمرقمنة ....وفي أثناء العلاج ،اكتسحه الإحباط من كلّ جانب ،وهاجمته الهشاشة المحيطة ،والإنتهازية المفرطة ،والغش المستشري .........وأصابه هبوط حادّ في مستوى الوعي ،واختلط عليه الأمر ،وتشابه عليه البقر،وكاد أن يمشي فيها .
و ظلّ مغشيّاً عليه ،وأوغل من جديد في إدمانه على العزوف ،ولم تجد نفعاً وصايا المطبّعين والمطبّعات ،لأن واقع المريض لايرتفع ،صحّته في الحضيض ،هواؤه ملوّث ،وماؤه مدنّس،ولا يعثر عن يمينه أو يساره ما يبعث على الأمل .الأرقام المتوصل بها في ارتفاع مطّرد :
نسب مرتفعة من عطالة الخلايا والأعضاء الحيّة .
نسب من زيادة الثخنة ،من فساد الغذاء .
تسرطن الدماء بفعل كثرة الهموم والشقاء .                                               وبينما هو سادر في أزمته ،غارق في لجّته ،جاءه مناد ،يبشّره بانفراج كربته ،وذلك بحلول طبيب لا كالأطباء ،مصحوباً بطاقم من الممرّضين والمعالجين ،لم يسبق لمركّبنا الصحي أن شهد مثلهم .
استفاق المرضى ؛ومعهم محمد المغربي على ايقاع الأمل ،وتوسّموا خيراً في الطارق الجديد ؛وحبسوا أنفاسهم ،ومنحوها جرعة عميقة ،من الترقب والإنتظار .
وتوالت على مخيّلتهم الخواطر والأسئلة ؛هل فعلا سنتجاوز الماضي البئيس من شراء الدواء العمومي ؟هل سيداوم الطبيب على علاجنا ،دون أن يتركنا لمصيرنا ،ويتنقّل بين المصحّات الخاصّة ؟وكيف ستصبح المعدّات والأجهزة صالحة ،رغم إعلان الطاقم القديم عطلها ؟وهل سيمتنع الأطباء الملتزمون بقسم ابيقراط عن الرشاوى والإكراميات ؟وكيف سيسيّرون هذا المرفق ،بدون الإعتماد على حراس الأمن الأشاوس أصحاب السوابق ؟
نهض محمد  من غفوته ، وجلس القرفصاء ،يحدج بعينيه المحيطين به ،من مرضى و زوّار ،يتلمّس بحسّه وحدسه ،مدى صحة ما تناهى إليه من مستجدّات !!!
أقيل الطبيب الفلاني ،ونقّل علان من قسم إلى قسم آخر ،واستبدلت معدّات المكاتب والتجهيزات ،وشدّدت الحراسة ،ومنع المواطنون من الدخول والخروج والمواطنات ،واكفهرّت وجوه الممرضين والممرّضات ،وتوارت سحنات الموظفين عن الظهور وقت الحاجة.......
ليس هناك غير صرير الأبواب والأسرّة الحديدية ،ولغط المواطنين والزوّار ،وأنين المرضى والجرحى ،ونشيج أهل الموتى ،وانتظار الذي يأتي ولم يأت ؛ذلك ما سيطر على إحساس المريض ،ووعيه .فشرد ذهنه ،وانخرط في  ذهوله ،وأقبل على إدمانه ،برفض وعود أطبائه .
وبلع قرص الدواء ،دون أمل في الشفاء من علّة وسقم الإدمان على العزوف واللامبالاة .