خزانة الملابس...


خزانة الملابس...
 
خزانة الملابس...

فتحت دولاب ملابسها تبحث عن قطعة لترتديها. كانت تتهيأ لحضور اجتماع تنظيمي ليوم غد. تقريبا كانت تعرف تماما ما عليها قوله. فهي ستدعو إلى محاربة الفساد و إلى مزيد من حرية التعبير و التفكير. تشعر بالرضا. فهي تعتقد أنها تقوم بواجبها الخالص اتجاه الحياة بمسؤولية و شجاعة.
سقطت بعض قطع الثياب على أرضية الغرفة. الخزانة كانت ممتلئة عن آخرها و في قمة الفوضى. التنانير مكدسة فوق القمصان. الجوارب على الرفوف بجانب السراويل و الفساتين. الخزانة كانت تشبه سوقا من الملابس المستعملة. كل مرة تفتح خزانة ملابسها تشعر بالإحباط. و تصرخ في أعماقها بأنها لا تملك زيا مناسبا لترتديه. فتهتدي إلى حل سحري ينقذها من حيرتها. تعيد القطع المتناثرة إلى الدولاب و تضغط على الدف بقوة لتغلقه. تأخذ حقيبة نقودها و تذهب للتسوق و هي تحمد الله أنه ما زال لها الوقت الكافي. فهي تعتبر نفسها فتاة محظوظة لأنها تعلمت أن تخطط لاجتماعاتها و مواعيدها المهمة مسبقا.
همت بغلق دولابها. فتذكرت اجتماع الغد و الكلمة التي كانت تنوي أن تلقيها. شعرت بوخز ضمير. كيف ستتحدث عن محاربة الفساد و هو يعشش في خزانة ملابسها؟ حدقت في الدولاب و كأنها تفطن لأول مرة لحقيقة كانت تجهلها. كل قطعة في دولابها تساوي قطعة نقدية من فئة مائة أو مائتي درهم. فهي كانت تعتبر نفسها فتاة مقتصدة و تكره أن تبذر مالها في ثياب غالية الثمن. أخذت تتأمل دولاب ملابسها و هي تتخيل ملابسها تتحول إلى قطع نقدية ورقية. فطنت إلى الكم الهائل من الأوراق النقدية المبعثرة في دولابها. أخذت تتخيلها تتطاير أمام عينيها كأوراق الخريف. 
تذكرت بسخرية جملة طريفة كانت قد قرأتها في كتاب ما. كل دولار هو بمثابة جندي مخلص يعينك على معارك الحياة. فكرت بمرارة : ما أسوأ أن تكون جندي مخلص في يد جنرال سيء. نعم. وجب عليها أن تعترف بأنها ليست فقط جنرال سيئ و لكنها أيضا جنرال وقح. لم تعد واثقة فيما إذا كانت ستكون غدا قادرة على إلقاء كلمتها بثقة و صدق. 
طردت أفكارها المحبطة بسرعة. و قررت بحزم لن تسمح لنفسها أن تكون جنرالا سيئا بعد اليوم. ستعيد جنودها إلى أرض المعركة و ستبعث فيهم الحياة من جديد. لأول مرة بدل الذهاب إلى التسوق،  تختار أن تفرغ محتويات خزانتها بالكامل. فرزت القطع إلى مجموعات من التنانير و السراويل و الفساتين و المعاطف و القمصان. و حاولت أن ترتب كل مجموعة حسب الألوان. اكتشفت أنها ما زالت تحتفظ بقطع من الملابس تعود إلى أيام كانت طالبة جامعية. بعض القطع ضاقت عليها و بعضها لم يعد صالحا للاستعمال. فكرت بمرح لن تفرط في أي جندي. ستعيد كل جنودها إلى الحياة و ستمنحهم فرصة جديدة لخوض المعارك في ظروف جديدة. أخذت هاتفها و ركبت رقما يخص جمعية بحيها كانت تهتم باليتامى و المتخلى عنهم. سألتهم فيما إذا كانوا يحتاجون إلى ملابس مستعملة. رحبوا بالفكرة و اقترحوا عليها أن يحضروا لها فتاة لنقل الملابس. الفتاة كانت لطيفة فساعدتها في ترتيب خزانتها من جديد كطريقة ملموسة للشكر و الامتنان.
كانت متعبة. و لكنها اندهشت من النتيجة. لو ذهبت لتتسوق ما كانت ستحصل على كم القطع الجميلة التي اكتشفتها من جديد. و ما كانت ستشعر بنفس مشاعر الرضا و السرور. فبعض القطع كانت قد نسيتها تماما و بعضها ارتدته مرة أو مرتين. و بعضها كان ثمينا و غالي الثمن لأنه كان هدية من بعض الأصدقاء.
نظرت باعتزاز إلى خزانة ملابسها. كل قطعة مرتبة في مكانها الصحيح. فكرت بحنان و مرح:  ملابسها جنودها المخلصون. سيساعدنها كل يوم ليبعثن الدفء في جسدها و ليظهرنها بمظهر أنيق. كانت مستعدة لاجتماع الغد.
في يوم الغد. حضرت الاجتماع. كانت ترتدي سروالا أسودا كلاسيكيا أنيقا و قميصا بنفسجيا غامقا، جاكيت أسود من الجلد الناعم، حذاء بكعب عال، حقيبة يد صغيرة، ساعة يد و اقراط أذن متدلية من الفضة. بدت جذابة بسيطة و ناعمة و بطلة مختلفة و مشرقة.
افتتحت الاجتماع و تحدثت بثقة: " سيداتي سادتي، قبل البارحة كنت سأتحدث بشكل مختلف. و لكنني اليوم أعتقد أن ما ينقصنا فعلا هو أن نعيش الحياة بوعي أكبر. فالكثرة لا تعني دائما الوفرة. و القلة لا تعني دائما الخصاص. إن الفساد في أحيان كثيرة هو نتاج البلادة و الخلل في التفكير و التخطيط. فالفساد لم يكن يوما خيارا إنسانيا و لكنه على العكس هو انعدام الاختيار. فالفساد يبدأ متى لم يستوعب الإنسان رسالته في الحياة و لم يضبط سلوكاته اليومية. و من هذا المنطلق فكلنا معنيون. و دورنا هو أن نعيد كتابة حياتنا اليومية بشكل يومي و بعشرات الاساليب و كأننا نعيشها لأول مرة " .  
أمل مسعود
المغرب