الحسناوي: «المغرب حول نزاع الصحراء إلى آلية لترسيخ التنمية»


الحسناوي: «المغرب حول نزاع الصحراء إلى آلية لترسيخ التنمية»
حاورتها : حديفة الحجام


من تكون ياسمين الحسناوي؟

لن أذكر عمري، لأن المرأة من طبيعتها التكتم على سنها. أنا من مدينة المحمدية، حاصلة على الإجازة في الأدب الإنجليزي، ودبلوم الدراسات العليا في التواصل من جامعة القاضي عياض في مراكش، وحاصلة على منحة «فولبرايت» لتدريس الثقافة المغربية في الجامعات الأمريكية. حاليا أحضر لأطروحة الدكتوراه حول العلاقات المغربية- الجزائرية ودور الجزائر في قضية الصحراء المغربية. اهتممت في ما مضى بالعمل الجمعوي مع الشباب، أما الآن فقد سلكت مسار الترافع على قضيتنا الوطنية بشكل كامل. كما أني قضيت في الولايات المتحدة الأمريكية فترة امتدت من 2003 إلى 2011، حيث قررت الاستقرار بصفة نهائية في بلادي.

هل تعبت من الغربة وويلاتها؟

ليس الأمر كذلك، وإنما تزامن الأمر مع ما يسمى «الربيع العربي»، وحدثتني نفسي برؤية الأمر من الداخل وعيش تجربة الحراك والمشاركة في الإصلاحات التي واكبها الملك محمد السادس، كيف لا وأنا أيضا حاصلة على دبلومات وبإمكاني تقديم شيء في هذا الصدد؟ أضف إلى ذلك أنه قبل عودتي النهائية إلى المغرب، وبالمناسبة درست في خمس جامعات أمريكية، كان طلبتي يتساءلون عن تركي إياهم، فكنت أجيبهم أن المغرب في حاجة إلي أكثر من حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلي. هذا باختصار سبب عودتي.

ما هو الدافع إلى الاهتمام بقضية الصحراء المغربية، علما أن تخصصك الدراسي مختلف؟

عندما توجهت إلى بلاد «العم سام» كان ذلك بدافع الاستقرار هناك، والحمد لله كانت وضعيتي على ما يرام بحكم أني اشتغلت أستاذة مساعدة في خمس جامعات، وكنت المغربية الوحيدة التي تدرس الثقافة المغربية واللغات. هناك كان الطلبة الانفصاليون جد نشيطين في عملهم وكانوا يروجون لأطروحات خاطئة حول المغرب، مما كان يدفع طلبتي إلى سؤالي عن حقيقة وجود حرب في الصحراء، لأن الانفصاليين كانوا يقولون إن المغرب ينتهك حقوق الإنسان. وبصفتي أستاذة مغربية، كان دوري يكمن في تشجيع الطلبة الأمريكيين على القدوم إلى المغرب، غير أن روايات الانفصاليين كانت تخيفهم من زيارته، وعوض ذلك كانوا يتوجهون إلى بلاد أخرى لاعتقادهم بحقيقة الأمر. صراحة كنت أتأسف كيف أن أولئك الطلبة (أولاد قيادات بوليساريو استفادوا من منح قدمتها لهم بعض الدول الاسكندنافية) عاشوا في مخيمات تندوف وتعرضوا لعملية غسيل دماغ، ولم يأتوا إلى المغرب ويروا بأم أعينهم حقيقة الوضع في الصحراء المغربية. وهو ما دعاني إلى الانضمام إلى جمعيات دولية، منها فرع منظمة العفو الدولية، ومن هناك بدأت في الترافع عن قضيتنا، هذا مع علمي أن منظمة العفو الدولية تنحاز أحيانا، إلا أني كنت أفرض وجهة نظري هناك. كما انضممت إلى أفراد الجالية المغربية في واشنطن، حيث أسسنا جمعية كانت مهمتها تنظيم ندوات فكرية وأيام دراسية. وبعد عودتي إلى المغرب، قررت أن يكون موضوع أطروحتي في الدكتوراه حول العلاقات بين المغرب والجزائر، ودور الجزائر في قضية الصحراء المغربية، لأن مشكلنا في الصحراء هو بالأساس مشكلنا مع الجزائر.

ما سياق وفحوى تنظيم الدورة التكوينية التي نظمها أخيرا مجلس أوربا بالعاصمة البلغارية وكنت مشاركة فيها؟

كنت المغربية الوحيدة التي مثلت الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث استدعاني المجلس الأوربي والفيدرالية العالمية للشباب الليبرالي للمشاركة في تكوين حوالي أربعين من الشباب المنتمين إلى الحزب الليبرالي في أوربا، الناشطين في الحياة السياسية داخل بلدانهم حول حل النزاعات والوساطة. هناك تطرقت إلى عروض نظرية وتطبيقات عملية لأشكال تدبير النزاعات أو تحويلها وعرضت نموذج المغرب الذي نجح في تحويل الصراع المفتعل إلى آلية لترسيخ التنمية. كما تطرقت إلى مشروع تنمية الأقاليم الجنوبية الذي أعده المجلس الاقتصادي والبيئي والاجتماعي بمبادرة من الملك محمد السادس. لماذا تطرقت إلى هذا الأمر؟ لأنه مثال قوي لتحويل النزاع بوصفه أرضية مهمة في مجال المحادثات القائمة بين الطرفين، ومقترح الحكم الذاتي ولارتكازه على تحليل واقعي لأقاليمنا الجنوبية، لكونه يهدف إلى تأسيس سياسة مندمجة في مختلف المجالات. أنا أشدد على هذا النموذج لأنه متكامل حيث يضم جانب حقوق الإنسان ومشاركة المواطن والتوزيع العادل للموارد الطبيعية، وقمت بقارنة هذا الأمر بما يقع في تندوف، حيث بالرغم من احتضان الجزائر لدعاة الانفصال، لا يوجد أي أثر لاحترام حقوق الإنسان. في الحقيقة كان لهذا النموذج صدى طيب لدى المشاركين من دول مثل أوكرانيا وصربيا وغيرها. شخصيا أعتقد أن هذا النموذج يستحق تدريسه والتعريف به واتخاذه مثالا لتحويل النزاع.

ما الذي حققته مؤسسة الصداقة المغربية- الأمريكية في خدمة القضايا المغربية؟

أنا من مؤسسي مؤسسة الصداقة المغربية- الأمريكية سنة 2009 وأصبحت رئيسة لها في 2011. دور المؤسسة يكمن في تعزيز التعاون بين المغرب وأمريكا، وجل أعضائها استفادوا من برامج الخارجية الأمريكية، وبعد عودتهم إلى المغرب، احتضنتهم المؤسسة حتى يتمكنوا من تطبيق ما تعلموه هناك على أرض الواقع. من جهة أخرى، قامت المؤسسة بتأسيس جمعيات أخرى لها الهدف نفسه المتمثل في خدمة الثقافة والشباب والتكوين، فالهدف من الذهاب إلى أمريكا والعودة منها، هو جعل البلد يستفيد من تلك التجارب، وهذا في حد ذاته نوع من أنواع خدمة القضايا المغربية.

ماذا عن علاقة المؤسسة بقضية الصحراء المغربية؟

لحدود الساعة لا يوجد شيء ملموس بحكم حداثة تكوين المؤسسة، لكننا نخطط إن شاء الله لإنشاء فرع في مدينة العيون من أجل خدمة القضية هناك، عبر عقد برامج وندوات تهتم مثلا بالثقافة الحسانية والموروث الثقافي الصحراوي عموما. نحن لن نقوم بأشياء سياسية محضة نظرا لكوننا مؤسسة غير حكومية، غير أن هذا لا يمنع من الدفاع عن القضية الصحراوية من منظور ثقافي واقتصادي واجتماعي.

على ذكر العلاقات المغربية- الأمريكية، كيف تقيمين تعامل الدبلوماسية الأمريكية مع قضية الصحراء المغربية؟

في ما يخص السياسة الخارجية الأمريكية تجاه نزاع الصحراء المغربية، صراحة أستنتج أنها سياسة قائمة على مبدأ التوازن، بمعنى أن الأمريكيين يتعاملون بتوازن مع الأطراف المعنية بالصراع المفتعل، وأعتقد أن هذا يخضع لتجاذب مصالح أمريكا بين المغرب والجزائر، فأمريكا لا تقول إن لها سياسة صحراوية وإنما هناك توازن، ومن أهم نتائج هذه السياسة استمرار الوضع القائم على ما هو عليه، فهم عندما يتحدثون عن مقترح الحكم الذاتي تراهم يشيدون به، لكن لا يجب علينا التوقف عند هذه النقطة. كما أن أمريكا ليس لها دور مباشر في حل هذا الصراع.

أو أنها لا تريد لعبه؟

هي لا تريد لعب هذا الدور، فإذا ما قارنا الأمر بأوضاع أخرى في دول مثل أفغانستان وباكستان وإيران...، نرى أنه مختلف وهو ما يوضح أنه ليس لأمريكا سياسة صحراوية خاصة، أما السياسة المنتهجة لحد الآن فتخضع لمنطق مصالحها بين المغرب والجزائر. وهناك أمر مهم آخر يكمن في أنه منذ طرح النزاع المفتعل على الكونغرس الأمريكي سنة 1977 ظلت لغة الكونغرس واحدة، حيث نراه يورد دائما ضرورة تسريع تنظيم الاستفتاء وتحديد مسؤولية كل طرف ضد الطرف الآخر وحق تقرير المصير... اللهم بعض النواب الذين يتعاطفون مع المغرب، غير أن خطاب الكونغرس واحد في الغالب الأعم. ولهذا على المغرب أن يوجه سياسته الخارجية نحو الكونغرس الأمريكي، وألا يكتفي بالدبلوماسية الأمريكية، لأن الكونغرس يلعب ورقة ضغط مهمة. ستقول لي كيف للمغرب أن يستغل هذا الأمر؟ الجواب يكمن في نهج سياسة القرب مع الجالية المغربية هناك، فهي تقدر بـ 300 ألف مغربي، لأنها قريبة من النواب الأمريكيين. ولهذا على المغرب إمداد الجالية هناك بكل أدوات الترافع، ومن دون هذا الأمر لن نستطيع تغيير الرأي العام الأمريكي. نقطة أخرى مهمة، على المغرب عدم الاكتفاء بالاعتماد على اللوبيات، وإنما عليه إحداث مراكز أبحاث، وأنا أتأسف لعدم وجود مراكز أبحاث في المغرب، وحتى تلك الموجودة تعاني من قلة الموارد المالية لاشتغالها. أضف إلى ذلك غياب تقارير تحرر باللغة الإنجليزية، أما تلك المكتوبة بالإنجليزية فتدعم في أغلبها أطروحات الانفصاليين، لأنها ببساطة من إعداد هؤلاء.

سبق أن خضت تجربة تدريس الثقافة المغربية في أمريكا، هلا حدثتنا عن ذلك؟

كانت تجرية ناجحة بكل المقاييس، لأني حاولت تمثيل بلدي لنخبة تقتصر معرفتها بالمغرب على ما هو مسموع، وأعتقد أني تركت بصمة المغرب في خمس جامعات أمريكية، والدليل على نجاحها رغبة بعض الطلبة في البحث عن تداريب في المغرب، وهناك من الطلبة من تمحور بحثهم حول المغرب.

يلاحظ التركيز على الخارجية للتعريف بالقضايا المغربية، ألا يمكن الاعتماد على قنوات أخرى للتقريب بين أمريكا والمغرب؟

لا أعتقد أن وزارة الخارجية هي المهيمنة على كل شيء، فقد أكد الملك في أحد خطاباته أن القضية الوطنية ليست قضية جهة بعينها، بل هي قضية الشعب المغربي قاطبة.
لكن هذا الخطاب جاء بعد ملاحظة نوع من الانتظارية، أي انتظار حدوث أمر ما لاتخاذ رد الفعل المناسب..

هذا ما يجب تغييره، فلا يجب انتظار تحرك الملك أولا، بل على الجميع اتخاذ المبادرات في هذا الصدد، وهذا ما كنت أتحدث عنه عندما تطرقت إلى موضوع التقرب من الجالية المغربية، لأن من يرغب في الدفاع عن القضية المغربية، عليه فعل ذلك على المستوى الدولي. في البداية يجب تمكين الشباب من الأدوات الكفيلة بتوعيته بقضيته، فالكل يرغب في المساهمة في هذا الأمر، غير أن بعض الشباب لا يملك هذه الأدوات نظرا لانعدام مراجع مبسطة تخوله فهم حقيقة الوضع وعن شرعية الصحراء وعن الموارد الطبيعية الموجودة في الصحراء وعن حقوق الإنسان.. وهي أسئلة يجدّ الانفصاليون في طرحها. لهذا أعتقد أنه يجب توفير هذه الأدوات، وهذا دور وزارة الخارجية. صحيح أن الوزارة تضم قسما يهتم بالجمعيات، لكن عمله محدود جدا. وفي الحقيقة علينا البدء من الأساس وعدم انتظار قيام جمعية ما بتنظيم قافلة للتعريف بالقضية الوطنية من طنجة إلى الكويرة، بل أرى بضرورة القيام بهذه القافلة من نيويورك إلى كاليفورنيا، أما في المغرب فيجب الاكتفاء بتكوين الشباب. كما على الخارجية المغربية العمل مع السفارات في البلدان الأجنبية التي تعاني من نقص حاد في هذا الجانب.

من خلال عملك غالبا ما تلتقين مع نخبة رجال دولة أجانب، كيف تنظر أغلبية هؤلاء إلى الطرح المغربي؟

لن أقول أغلبية، فلكل فريق توجه خاص به، فالنخبة اليسارية تسير في توجه الاستقلال أو تقرير المصير (حالة الدول الاسكندنافية)؛ وهناك التوجه الأنكلوساكسوني الذي يتأثر بالأحاسيس ويتعاطف مع الضحية، وللأسف ينظرون دائما إلى الانفصاليين على أنهم الضحية، وهذا بسبب غياب تغطية إعلامية هناك في أمريكا، إضافة إلى نشاط الانفصاليين بفعالية على المستوى الدولي. وهناك توجه آخر، مثل توجه الجارة الإسبانية التي ورغم انتهاجها سياسة حسن الجوار، فهناك موقف وضغوطات داخلية لا تتركها تتماهى مع هذه القضية العادلة. وهنا أحث على ضرورة إيصال الجواب المقنع بالأدلة الدامغة والمعقولة لكي يكون هناك تجاوب مع هذه النخب، عوض الاكتفاء بالعواطف والأحاسيس. أنا أتحدث عن المجتمع المدني والأكاديميين، أما الدبلوماسيون فلهم أدواتهم الخاصة بهم.

هل سبق والتقيت بمصطفى ولد سلمى؟

التقيت بوالده وأخيه عندما قدما إلى واشنطن سنة 2011، وكان مصطفى ولد سلمى منع من رؤية أسرته في تندوف وقادة بوليساريو يطالبون برأسه، لا لشيء إلا أن الرجل عبر عن قناعات خاصة. في تلك الفترة، كنت أترافع على قضية ولد سلمى في منظمة العفو الدولية، لذلك توجهت إلى واشنطن حتى يمدني أخوه بكل المعلومات بخصوصه. لم يسبق لي أن التقيت بمصطفى ولد سلمى بشكل مباشر، غير أني دافعت عن حقه في التعبير عن رأيه ورؤية ذويه في تندوف. كما تحدثت عن قضيته في الجامعات وأمام منظمة العفو الدولية فرع أمريكا.

ألا تواجهك صعوبات لا لشيء سوى كونك امرأة؟

أعتقد أن المرأة بوجه عام تواجه صعوبات سواء تعلق الأمر بالمغرب أو أمريكا أو أي مكان كان، فكفاح المرأة يمتد في التاريخ. أنا لن أتحدث بصفتي امرأة، بل باعتباري كفاءة عادت إلى أرض الوطن للمشاركة في الإصلاحات التي قادها الملك والترافع عن قضية أؤمن بها، غير أن الإشكال في المغرب يكمن في أن الكفاءات التي تقرر الاستقرار في المغرب تجد نفسها محاصرة إن لم نقل مهمشة، وهو ما يجعلها تشعر بأنها لا قيمة لها في بلدها، ويبقى الحل الوحيد أمامها العودة من حيث أتت، وهناك من يغادر بصفة نهائية ولا يعود أبدا وهذا أمر مؤسف.

لو قمنا بمقارنة بين فترة سعد الدين العثماني وصلاح الدين مزوار..؟

أظن أن العثماني ترك بصمته في الخارجية، سيما في ما يخص العلاقات المغربية- الجزائرية، نظرا لأسلوبه واشتهاره بالرزانة والحكمة. صراحة هو رجل ذو تجربة مختمرة. وبالنسبة إلى صلاح الدين مزوار، فالرجل يعمل هو الآخر غير أني لا أستطيع الحكم عليه نظرا لحداثة تعيينه، ولهذا أتمنى له التوفيق في مهمته.

لو كانت ياسمين وزيرة خارجية؟

(ضاحكة) في الحقيقة أنا لا أطمح إلى أن أصبح وزيرة خارجية. لكن على العموم بما أني أهتم بالعلاقات الدولية، سأعمل على صقل تكويني لكي أتجاوز مرحلة الاختصاص إلى مرحلة التخصص، في مجال أتمنى من الله أن أساهم فيه بقدر، وأن أخدم القضايا الكبرى لبلدي المغرب. وإذا افترضنا أني سأصبح وزيرة، فلن تكون ياسمين لوحدها وإنما ستكون محاطة بفريق متكامل.