الجهوية الموسّعة :الربط بين الشمال والجنوب توازن في الرؤية ،وعدالة في التطبيق


الجهوية الموسّعة :الربط بين الشمال والجنوب   توازن في الرؤية ،وعدالة في التطبيق
فاس في 07/11/2015
الجهوية الموسّعة :الربط بين الشمال والجنوب 
       توازن في الرؤية ،وعدالة في التطبيق    
ذ محمد الفصيح
                                
قدّم الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء من قلب الصحراء ،بمدينة العيون ،رؤية سياسية دقيقة وواضحة ، استهدف فيها الداخل والخارج وسكان الجنوب المغربي ومخيمات تيندوف على وجه الخصوص ؛وقد منح الوطن والشعب بهذا الخطاب استقراراً نفسياً وروحيّاً ،فضلاً عن وضوح الأفق النظري والإستشراف المستقبلي للمدى المنظور. .                                                                                            وإذا اقتصرنا على مفهوم الجهوية الموسّعة - أحد أركان هذا الخطاب – بأبعاده الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية ....... الذي تمّ إنضاجه في العقد الأخير على الأقل منذ إعلانه سنة 2007 ،فإنّ هذا المسعى المبذول من قبل المغرب الرسمي والشعبي يعتبر تقدّماً وتفاعلاً ايجابياً في الإتجاه الصحيح ؛يقتضي من الطرف الآخر مدّ يد الترحيب ،أو تقديم البديل  المكافئ.
كما إنّ الوصول إلى هذه المحطّة السياسية من تاريخ المغرب المستقل ليس أمراً هيّناً ،فالتكلفة كانت باهضة ،أدّى فاتورتها الشعب المغربي من أرواحه وأرزاقه واستقراره ما وضع البلد –أكثر من مرّة – في منطقة الخطر ،وكلّنا يتذكّر بهذا الصدد أحداث واضطرابات 1979 ،1981 ،1984 ،1990 .....وبرنامج التقويم الهيكلي ،ودخول الدولة مرحلة الإنكماش الإقتصادي والتقشّف الإجتماعي منذ 1983 ،ممّا حذا بها إلى البحث عن حلول اقتصادية ذات آثار سلبية مستقبلية كالخوصصة وإشراك  القطاع الخاص المتهالك في تحمّل التكلفة الإجتماعية ،وغير ذلك من التدابير التي تعمل على فكّ الأزمة أو التخفيف منها .وكان وراء هذا كلّه وأحد أسبابه العميقة الوحدة الترابية ،أي بذل الغالي والنّفيس ،وتحمّل المآسي من أجل هذاالهدف.                                                                              
نعم وصلنا مرحلة الجهوية ولكن بعد قطع هذه المحطّات بكل معاناتها ؛وتمّ بلورة تصوّر متقدّم للنهوض بالجنوب كما الشمال شرقا وغربا ،وغاية الغايات هي بناء وطن متضامن ومتماسك ومتوازن. 
إنّ حبّات رمل الصحراء تعدّ درراً وجواهر لا يمكن التفريط فيها ،ولكن ذلك لا ينسينا أبداً باقي الجسد ،وهنا مربط فرس هذا المقال ،الذي يطرح السياسة العمومية للحكومة المغربية ،على طاولة النقاش ؛حيث إنه من المفروض أن تتلاءم بنود الميزانية العمومية ،وكذا الأجندة الحكومية مع التوجّهات العامّة ،التي تنصّ عليها الجهويّة الموسّعة المتوازنة والدستور المغربي 2011 .لكن واقع الحال يعكس صورة سوداوية ،وتراجعاً خطيراً لقضايا المجتمع ومصالحه الحيويّة ؛ويكفي أن نلمس آثار التشاؤم من سياسة الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية ،من خلال الملفات الحارقة :
1- إصلاح صناديق التقاعد وخاصّة الصندوق المغربي للتقاعد  وذلك بالإجهاز على المنخرطين عبر الثالوث المميت .
- الزيادة في نسبة الإقتطاع من الأجور المجمّدة أصلاً منذ 2011 من 10% إلى 14%.               - الرفع من سنوات الإحالة على التقاعد إلى حدود 65.
- التخفيض من المعاش بمعدّل (8 سنوات ) الأخيرة من العمل .  
وضرب الدراسات والتحقيقات والإقتراحات التي قدّمتها أطراف حكومية وبرلمانية ونقابية عرض الحائط ،والإستفراد بالإجراءات الظالمة .
2- تكريس سياسة التملّص من توفير فرص الشغل لأبناء الشعب المغربي المثقل بالضرائب المباشرة وغير المباشرة ...وكذا التخلّي عن واجب الإستثمار في الطاقة البشرية خاصّة المؤهلة منها أي حملة الشهادات .                       
3- تدمير القدرة الشرائية للمواطن ،وتركه لقمة سائغة لوحش لوبيات العقار والأبناك ،وشركات التدبير المفوّض للماء والكهرباء والواد الحار؛أمانديس ،ريضال ،ليديك ،أمازون ....                                        
4- إغراق القطاعات العمومية في مسلسل من التراجعات مثل تخفيض منحة مراكز مهن التربية والتكوين ،وفصل التكوين عن التوظيف ،وتجميد منح الطلبة الأطباء ؛وإجبارهم على الخدمة الإجبارية دون ربط ذلك بالتشغيل ،والمساهمة في عطالة الأطر العليا من المهندسين والدكاترة والمبرّزين ،وعدم الإلتزام بالمعايير الدّولية في تقديم الخدمة العمومية  .                                          وما ذكر من مظاهر بؤس السياسات العمومية المغربية ،يكشف عن مفارقة خطيرة بين المنظور المتوازن للجهوية الموسّعة كما رسمته أعلى سلطة في البلاد، حينما دعت إلى القطيعة مع اقتصاد الريع ،وجعل جهات المملكة متساوية في الحقوق والواجبات ؛وبين ما تمارسه الأغلبية الحكومية من تمييز فاضح ،وظلم راشح لأبناء الشمال والوسط والشرق والغرب ... 
 أما التفاخر بنظافة اليد ،فذاك واجب لا يمتنّ به على الأمة ،وما يتمّ الواجب إلا به فهو واجب ،كما أنّ الإعتذار بالإكراهات والصعوبات البنيوية للإقتصاد المغربي ،فذلك ممّا لاينبغي أن يخفى على الفاعل السياسي الراشد هنا والآن ،وفوق هذا وذاك أين الإلتزام بالبرامج الإنتخابية ؟وما مدى احترام الهوية السياسية والخط الإيديولوجي للهيئة السياسية المنتمى إليها من عدالة وتقدّم وحركة وتحرّر؟
إنّ معطيات الظرفية الإقتصادية بدء بالتراجع عن دعم المواد الأساسية و النفطية وغيرها ،وتوفير الملايير من وراء  ذلك ،وانخفاض فاتورة البترول ،وارتفاع حصيلة المنتوج الفلاحي للسنوات الأخيرة ،ونزول مخصّصات صنوق المقاصّة إلى5 1ملياردرهم بدل 50 ملياردرهم فما فوق في الماضي ،كل ذلك يبرّرانتقاد المنهجية الحكومية في التعاطي مع الشأن العام ،واعتبارمسارها آيل للإفلاس السياسي كسابقاتها ،ما لم تتدارك الموسم الإجتماعي الحالي بمبادرات ايجابية لفائدة السواد العام من الشعب أي الكتلة الناخبة ،التي قد يصدر منها ما أخاف رئيس الحكومة ،ويخيفه في مستقبل الأيام   .