الأساطير المباركة للإرهاب الصهيوني على الأراضي الفلسطينية



ريف سيتي : بقلم ذ.عبد الحكيم درقاوي

تشكل الحركة الصهيونية أغلب تجليات استخدام الدين في سياستها الاستيطانية، في كتابه “الإيديولوجية الصهيونية” يقدم عبد الوهاب المسيري تشخيصا للفكر الصهيوني بتمظهراته السياسية و الدينية، فيعتبر:<<أن السمة الأساسية لبنية الفكر الصهيوني  هو اتجاهها نحو الخلط أو المزج بين المقدس و النسبي، و إلى خلع القداسة على الظواهر اليهودية القومية. و لعل الإيمان بارتباط القوى بالمقدس و المطلق بالنسبي هي الموضوعة الأساسية في الفكر الصهيوني و الخاصية الأساسية التي تُميز بنيته>>(ص237).

فكرة أرض الميعاد

 تلجأ الصهيونية في ممارساتها السياسية إلى توظيف الديانة اليهودية لتضفي على نفسها الصيغة الدينية لجلب عطف اليهود، و لتجعل من نفسها امتدادا لليهودية، (فالفكرة المحورية في الإيديولوجية الصهيونية هي فكرة (الأمة اليهودية) و فكرة (اليهودي الخالص): أي اليهودي الذي لا تشوبه شائبة غير يهودية، و هو التعبير الحقيقي الوحيد عن المثل الأعلى للصهيوني…يؤمن جميع الصهاينة بفكرة العودة إلى أرض الميعاد لتأسيس دولة يهودية تعبر عن الروح الخالدة للشعب اليهودي، و التي ستحل مشكلة اليهود، و هذه نقطة البداية و النهاية بالنسبة لهم جميعا، كما أنها الركيزة التي تستند إليها تحالفاتهم).

 فقضية (أرض الميعاد) تحتل عند الصهاينة النقطة المحورية، فارض إسرائيل ـ التي وعد الله بها إسرائيل ـ تمتد من الفرات إلى النيل، و قد كان هرتزل في كتابه”دولة اليهود” يقول:(هناك في فلسطين ستكون لأوربا سداً في وجه آسيا،ستكون الحارس المتقدم للحضارة في وجه البربرية). و في كتابه “أساطير الصهيونية” أعطى اليهودي البريطاني جون روز الحق الديني  لليهود بالاستيلاء على فلسطين، فقال:<<ففي أرض إسرائيل سيكون اليهود قادرين على تطبيق الشريعة بشكل أكثر كمالا مما كان ممكنا في الشتات>>.و اعتبرـ جون روز ـ أيضا أن عودة المسيح مشروطة باغتصاب فلسطين، فقال:<<إن المسيح لم يأت بعد، و إن عودته لا بد أن تكون مسبوقة بعودة الشعب اليهودي إلى أرضه الخاصة…إن استيطان اليهود في الأرض القديمة بعد ألفي عام على خروجهم منها وحده يؤشر إلى عودة المسيح>>.

أسطورة الرب المحارب

 إن الثقافة السياسية الإسرائيلية تنماز باستخدام الأساطير لتفسير الوضع السياسي الراهن، و تشكل أسطورة(الرب المحارب مع شعب إسرائيل) حافزا دينيا مستندا إلى النص التوراتي، حيث ورد في “سفر الخروج الإصحاح الثالث” أن <<الرب رجل محارب>>. فهذه الأسطورة تشكل لدى اليهود إلهاما لحتمية الانتصار لاعتقادهم المتجدر أن الإله (ينحدر من درجة الالوهية إلى درجة البشرية) ليخوض الحرب جنبا إلى جنب مع بني إسرائيل و نصرت (شعب الله المختار).

أسطورة أورشليم مركز العالم

 أورد الدكتور رشاد عبد الله الشامي في كتابه “القوى الدينية في إسرائيل” تفسيرات الحاخام موشيه بن نحمان ـ الملقب بـ (رمبان) ـ للتوراة، هذه التفسيرات أضفت طابعا من القداسة على (ارض فلسطين) فاعتبر أنها (مركز العالم)، و أن أورشليم هي مركز (أرض إسرائيل)، و أن هذه الأرض هي المكان الوحيد لتأدية الوصايا الدينية المنصوص عليها في التوراة، و فيها يصل الإنسان و كذلك الحيوان إلى قمة كماله، و قد اعتبر ـ نحمان ـ أن الاستيطان في (أرض إسرائيل) واجب ديني، بل إنه يوازي كل فرائض التوراة، و تم تفسير هذه الفريضة فيما بعد كواجب مزدوج يلزم اليهود كمجموعة، كما يلزم كل فرد يهودي بالهجرة إلى (أرض إسرائيل) و العيش فيها تمهيدا لمجيء المسيح المخلص.

 قد نتساءل: لماذا يقتلون و يحرقون و يسحلون …لماذا يتمتعون بالدمار و الخراب و تقطيع الأجساد إلى أشلاء. فمنذ القدم و مرورا بالعدوان الصهيوني على غزة، نجد هناك حراك ديني كبيرا و مباركة للحاخامات الذين يمثلون(درع المعركة)، يشحذون الهمم و يفتون بقتل الصغير قبل الكبير و إبادة العرب عموما و المسلمين على وجه الخصوص.

 فهذا الحاخام شموئيل الياهو ـ مفتي الديار الصهيونية ـ خرج ليبارك فضاعة الجرم الصهيوني على الغزاويين، ليقول:<<اقتلوهم و لا ترحموا صغيرهم قبل كبيرهم>>، و أصدر فتوى بقتل الفلسطينيين دون تقديمهم إلى المحاكمة في حالة تورطهم في أعمال عنف ضد الجيش الإسرائيلي، و شرح ـ الياهو ـ  في فتوى أخرى له<<إن من يترك فلسطينيا على قيد الحياة فقد أثم>>، موضحا أن قتل الفلسطينيين أمر واجب و فرض عين على كل إسرائيلي من أجل حماية باقي الاسرائيليين، و لا يقتصر فقط على الشرطة و الجيش. و زعم ـ الياهو ـ أن الدليل الشرعي على فتواه هو<<أن النبي موسى عليه السلام قتل رجلا مصريا عندما حاول قتل أحد من بني إسرائيل>>.

 في مطلع فبراير من هذا العام، كتب الحاخام مئير دفيد دروكمان مقالا تحت عنوان “أنا إرهابي فخور” نشره بموقع “حباد اون لاين” التابع لحرمة “حباد” إحدى أهم الحركات الدينية في إسرائيل، و قد جاء في مقال دروكمان فتوى شدَّد فيها باستعمال العنف ضد الفلسطينيين، واصفا مُنَفِّذي العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين بـ(الصديقين).و جاءت هذه الفتوى في إطار حرص هذا الحاخام على (التأصيل الفقهي) لعمليات الغدر ة القتل الصهيوني للإنسان الفلسطيني.

 و لا شك أن أهم و أخطر كتاب ديني تحريضي يحث على قتل المدنيين الفلسطينيين، هو كتاب “شريعة الملك” الذي كتبه الحاخام إسحاق شابير، فقد تضمن فتاوى رَمَت إلى التأصيل للمس بالأطفال و الرُضَّع الفلسطينيين، مقدما مسوغا لافتا لتبرير ذلك بقوله:<<كان هناك ثمة شخص يعادي إسرائيل و يحاربها، فإنه يجوز قتل أطفاله من أجل التأثير على معنوياته>>.

 فهذه النصوص و الفتوى أثرت على سلوك المستوطنين اليهود و على سلوك الجماعات الإرهابية الصهيونية، بل تعدت إلى سلوك الجيش الإسرائيلي و أذرعه.

 و اللافت للنظر أن فتاوى الحاخامات التي تحرض على القتل (الديني)، وجدت لها بعض الأذان المتصهينة من بني جلدتنا الذين تصهينوا ـ ربما ـ أكثر من بعض الصهاينة، فاعتبروا ما تقوم به إسرائيل هو دفاع مشروع، وبخسوا عمل المقاومة و ثمنوا عمل الصهاينة.