إكرام الميت "سلفي" ... بقلم رندة صادق


إكرام الميت "سلفي" ... بقلم رندة صادق

إكرام الميت "سلفي"  بقلم رندة صادق

 

ريف سيتي : بقلم رندة صادق - لبنان

الإنسان بطبيعته نرجسي ،يغالي بحب نفسه، ليصل الى حد تضخيم حجمه الفعلي من ناحية الشكل والفكر والتأثير ،فهو غالبا يظن نفسه الأجمل والأذكى ،مقارنة بمن حوله ، يأخذ هذا الحب أشكالا من الأنانية وحب الظهور والتعالي والغرور، وأحيانا الوعي وتبسيط الشخصية ليتقبلها الآخر،ولكنه فعليا هو يعتمد طريقة التسرب النفسي ليصل الى عالم من حوله ،ويسيطرعليه.التركيبة النفسية البشرية تتمركز على الأنا، وتتمحور حول بلورتها وإظهارها بالشكل المميز .حين نفهم هذا ،نفهم حب الإنسان لصورته المعكوسة في المرايا فنحن نجد البعض لا يستطيع ان يتجاهل المرآة بل يبحث عنها ويناظرها ويغازلها يعشق نفسه في المرايا ويراقبها كيف تتكلم؟ كيف تبتسم ؟ كيف تمشي؟ الخ .هذا التعلق بانعكاسات الصورة تعلق نرجسي مرضي يلغي كل المحيط به ،ويعلو ويعلو ليتصدر المشهد .هذا بالضبط ما حدث مع هوس السلفي، ليست المرة الأولى التي أتناول بها موضوع السلفي، ولا أظنها الأخيرة فهذه الظاهرة القديمة المحدثة الوسائل ،تحولت لتصبح هوسا جماعيا، فكيفما تحركت هناك من يصور نفسه ويجسد لحظته بلقطة سلفي تدخل تاريخ كاميرته وألبوم ذاكرته، يؤرشف بها فرحه وجنونه وحزنه ،حتى تحول السلفي الى سيد المشهد دون منازع،والحقيقة أن هوس السلفي يتدحرج ويأخذ أشكالا غريبة ، لا يمكن تصورها وهذا ما صدمني وجعلني أفكر بحرمة الحدث وقدسية لحظتة وخصوصيتها ،التي أصبحت مشاعا لكل عابر على صفحات التواصل الاجتماعي، أما أن يصل هذا الجنون الى التقاط سلفي مع الميت، أمر يتطلب منا التوقف مطولا أمام المشهد، كيف يتمكن من فقد والده وبلحظة وداعه الأخيرة ان يفكر بهاتفه الذكي ويقرر في لحظة وداع والده على المغسل ان يلتقط صورة معه ،بمشهد درامي مركب لا يبلغه عقل سيناريست ولا تصور مخرج ، أن يتوقف الجميع احتراما للقطة السلفي الأخيرة التي ستجمع الابن بالأب،وكأن موجة جمود اعترت اللحظات الأخيرة هذا المشهد صدمني وأحزنني أكثر فلم يعد هناك حرمة للموت ،باتت لحظته مشاعة وبات الموت حالة افتراضية تبدأ من النعي على صفحات التواصل وعدد اللايكات التي حصدها، وتنتهي بحجم التفاعل والرد على الرد ، وهذا ما لا يحده عقل” لايك” تعني الإعجاب، لماذا يضعون لايك على نعي الميت ؟ أم أنها عادة تلقائية لا تقييم الحدث بل تتفاعل مع تلقائية الضغط على زر “اللايك” إلى أن نصل إلى المواساة بكتابة جمل تشي بعدد الأصدقاء المهتمين والذين يجاملون ويواسون ، والأغرب ابن الفقيد أو قريبه يتابع ما يجري على الفيس أثناء الدفن وما يتبع من واجب تلقي التعازي فهو ناشط في الرد ووضع “اللايك” على التعازي ، لن يكون لأولادنا طقوس تقليدية في موتنا ربما يكلفون شركات في إيوائنا الثرى، ويتابعون التعزية فينا عبر شبكات التواصل بعد سلفي يلخص أجواء الموت ودرجة الحزن ، ومن ثم سباق التفاعل على صفحاتهم مع وفاتنا بتنا صورة وجمل منسوخة لا أكثر أو يقوم الفيس بوك باستحداث خاصية البكاء التي ترافق النعي كما استحدثوا موضوع العطر الذي يشمه من يتفاعل معك ،عالم رقمي افتراضي عجيب غزا قيمنا ومفاهيمنا وبدأ يغير في عاداتنا واحترامنا للموت فلم يعد إكرام الميت دفنه بل سلفي معه لكي يدخل رالي اللايكات والمتابعة ،كان الحزن أمرا جللا يعترينا نقيم له أياما ،اليوم بات يُختصر إلى حد أنُه لا يستمر أكثر من ساعة الدفن، قبل العودة الى عالم النت ، الذي بات مجتمعا بديلا نعطيه وقتنا ونهمل عاداتنا وتقاليدنا ومن حولنا ..

رندة صادق
randanw@hotmail.com